Revue ADALA

عدالة

مجلة دورية

أحكام مسطرة الإنقاذ وفقا لقانون 17-73

عبد الحميد اليعقوبي

أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية   

 والاجتماعية  بايت ملول  جامعة ابن زهر   

المقدمة:

مر القانون التجاري المغربي  بثلاث مراحل أساسية نتيجة للتطورات الاقتصادية والتشريعية التي عرفها العالم، و يمكن تلخيصها في:

المرحلة الأولى: كان يعتمد ويطبق فيها مقتضيات القانون التجاري لسنة 1913، حيث كان أول تنظيم يهتم بالمساطر الجماعية يتمثل في الفصول من 197 إلى 381 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالإفلاس والتصفية القضائية. ففي هذه المرحلة يمكن القول بأن نظام الإفلاس هذا لم يكن يعير أية أهمية لوقاية المقاولة من الصعوبات، ولم يتضمن أية قواعد يمكنها تحقيق هذه الغاية سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة ضمنية، كما أن أهم ما كان يميز هذا النظام أنه ذو طابع عقابي تصفوي ينطلق من فكرة أن التاجر أخل بالتزاماته وبالتالي يتعين إقصاؤه من الحياة الاقتصادية[1].

المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي عمل فيها المشرع المغربي على إخراج قوانين تتناسب مع التحولات الاقتصادية العالمية، قوانين تهدف إلى حماية المقاولة من الاندثار وبالتالي حماية الاقتصاد الوطني من جهة، ومواكبة الحركة التشريعية الدولية من جهة أخرى، وبذلك تم إصدار القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها[2]، الذي جاء بعد صدور مدونة التجارة لسنة 1996[3] والتي نظمت في الكتاب الخامس نظام صعوبات المقاولة المأخوذة من قانون 25 يناير 1985 الفرنسي، وكذا قانون  شركة المساهمة[4] والقانون المحدث للمحاكم التجارية[5] إلى غيرها.

المرحلة الثالثة والأخيرة: وهي مرحلة صدور القانون رقم 17-73 [6] الذي عمل من خلاله المشرع المغربي على تقوية دور مساطر الوقاية واعتماده مسطرة الإنقاذ التي تعتبر من بين أهم المستجدات التي جاء بها، حيث أفرد لها المواد من  560الى 574 ،و تهدف هذه المسطرة إلى تمكين المقاولة من تجاوز صعوباتها لأجل ضمان استمرارية نشاطها والحفاظ على مناصب الشغل وتسديد الخصوم.

و تروم هذه المسطرة الكشف المبكر عن الصعوبات التي تعترض المقاولة، إذ لم يعد ثبوت التوقف عن الدفع شرطا للاستفادة من الحماية القانونية للمقاولة التي تعاني من صعوبات، و أصبح لرئيس المقاولة حق اللجوء إلى هذه المسطرة بمجرد تعرض المقاولة لصعوبات من شأنها أن تؤدي بها إلى التوقف عن الدفع[7].

وتأتي دراسة هذا الموضوع محاولة منا لتحديد جوانب مسطرة الإنقاذ باعتبارها آلية مستجدة ضمن مستجدات قانون17-73، التي ترمي إلى حماية المقاولة المغربية ومن خلالها الاقتصاد الوطني.      حيث أننا سنعتمد التقسيم الثنائي لما له من أهمية في ضبط عناصر الموضوع ووضعه في الإطار القانوني الأكاديمي الرصين، و ذلك على النحو الآتي:

المطلب الأول : الأحكام العامة لمسطرة الانقاذ

المطلب الثاني: الآثار المترتبة عن حكم مسطرة الإنقاذ

المطلب الأول: الأحكام العامة لمسطرة الإنقاذ

لدراسة الأحكام العامة لمسطرة الإنقاذ سنعمل على تحديد ماهية مسطرة الإنقاذ في الفقرة الأولى، على أن نخصص الفقرة الثانية لدراسة خصائص مسطرة الإنقاذ.

الفقرة الأولى: ماهية مسطرة الإنقاذ

سنعمل من خلال هذه الفقرة على تحديد تعريف مسطرة الإنقاذ (أولا)، ثم تحديد أهم الخصائص التي تميزها (ثانيا).

أولا: التعريف بمسطرة الإنقاذ

المشرع المغربي من خلال القانون رقم 17-73 لم يشر صراحة لتعريف مسطرة الإنقاذ، و إنما  نص من خلال المادة 560 على أنه :”تهدف مسطرة الإنقاذ إلى تمكين المقاولة من تجاوز صعوباتها، وذلك من أجل ضمان استمرارية نشاطها، والحفاظ على مناصب الشغل بها، وتسديد خصومها”.

وقد عرفها اتجاه فقهي[8] بكونها مسطرة هدفها تجاوز الصعوبات التي تعاني منها المقاولة دون أن تكون متوقفة عن الدفع، هذا التدخل يسعى الى ضمان استمرار نشاطها.

وبذلك يمكن القول، إن مسطرة الإنقاذ هي مسطرة تهدف إلى تجاوز صعوبات المقاولة لضمان الاستمرارية والحفاظ على مناصب الشغل، فهي بذلك تنتصر للبعدين الاجتماعي والاقتصادي معا.

وهو نفس المفهوم الذي صار عليه المشرع الفرنسي في مدونة التجارة الصادرة سنة 2005 حينما اعتبر مسطرة الإنقاذ في المادة L620-1:

Il est institué une procédure de sauvegarde ouverte sur

 Demande d’un débiteur mentionné à l’article L.620-2 qui, sans être en cessation des paiements, justifie de difficultés qu’il n’est pas en mesure de surmonter. Cette procédure est destinée à faciliter la réorganisation de l’entreprise afin de permettre la poursuite de l’activité économique, le maintien de l’emploi et l’apurement du passif[9] 

وبذلك يمكن القول إن مسطرة الإنقاذ هي مسطرة وقائية علاجية يمكن بمقتضاها لصاحب المقاولة حماية مقاولته من الوصول إلى مرحلة التوقف عن الدفع.

ثانيا: خصائص مسطرة الإنقاذ

تعتبر مسطرة الإنقاذ من بين أهم المستجدات التي جاء بها القانون17-73 والذي أفرد لها المواد من  560 إلى 574، بحيث تهدف هذه المسطرة إلى تمكين المقاولة من تجاوز صعوباتها لأجل ضمان استمرارية نشاطها والحفاظ على مناصب الشغل وتسديد الخصوم[10] .

وبذلك فهي مسطرة تتميز بعدد من الخصائص تميزها عن باقي المساطر الأخرى المقررة في نظام صعوبات المقاولة، نذكر منها:

  1. مسطرة الإنقاذ مسطرة وقائية Procedure preventive: لأنها تهدف إلى منع تحقق واقعة التوقف عن الدفع، والوقاية من صعوبات قد تهدد استمرارية المقاولة.
  2. مسطرة الإنقاذ مسطرة علاجية  Procédure curative: لأنها تعمل على علاج المقاولة من الصعوبات القانونية والمالية والاجتماعية التي قد تتعرض لها.
  3. مسطرة الإنقاذ مسطرة إرادية: تتمثل في إعطاء الحق لرئيس المقاولة في إثارتها من تلقاء نفسه (المادة 561 من قانون 17-73 ).
  4. مسطرة الإنقاذ مسطرة تصالحية: لأنها تكرس الاهتمام برئيس المقاولة في سلك مسطرة الإنقاذ دون خوف من أي أثر سلبي قد يطاله وهو بصدد ممارسته لهذه المسطرة وبالتالي فهي مسطرة تصالحية وليست نزاعية[11].

الفقرة الثانية: شروط وإجراءات ممارسة مسطرة الإنقاذ

سنتناول في هذه الفقرة شروط فتح مسطرة الإنقاذ (أولا)، ثم إجراءات مسطرة الإنقاذ ( ثانيا)

أولا: شروط فتح مسطرة الإنقاذ

نص المشرع المغربي من خلال نص المادة 561 من قانون 17-73 على شروط فتح مسطرة الإنقاذ حيث جاء فيها: “يمكن أن تفتح مسطرة الإنقاذ من لدن كل مقاولة. دون أن تكون في حالة توقف عن الدفع أو تعاني من صعوبات ليس بمقدورها تجاوزها، ومن شأنها أن تؤدي بها في أجل قريب إلى التوقف عن الدفع.”

من خلال نص المادة أعلاه يمكن القول إن فتح مسطرة الإنقاذ يتم وفق شرطين أساسيين هما:

  1. شرط  عدم التوقف عن الدفع:

التوقف عن الدفع هو التوقف عن عدم أداء الديون الحالة في ميعاد استحقاقها، وهو العجز التام للمقاولة عن مواجهة خصومها الحالة بموجوداتها الخاصة[12].

وعلى غرار نص المادة 561 من القانون 17-73  فقد اشترط المشرع الفرنسي من خلال نص المادة L620-1 عدم التوقف عن الدفع لفتح مسطرة الإنقاذ[13].

هذا، وقد نص المشرع المغربي من خلال المادة 575 من قانون 17-73 على المقصود بالتوقف عن الدفع[14] حيث جاء فيها : “تثبت حالة التوقف عن الدفع متى تحقق عجز المقاولة عن تسديد ديونها المستحقة المطالب بأدائها بسبب عدم كفاية أصولها المتوفرة”، وذلك خلافا لما كانت تنص عليه مدونة التجارة قبل تعديلها بمقتضى القانون رقم 17-73،حيث كانت تطبق مساطر صعوبات المقاولة على كل تاجر وكل حرفي وكل شركة تجارية ليس بمقدورهم سداد الديون المستحقة عليهم عند الحلول…

  • شرط وجود صعوبات جدية ليس بمقدور المقاولة تجاوزها

يتبين من خلال نص المادة 561 من قانون 17-73 أنه عند تقديم الطلب بفتح مسطرة الإنقاذ يجب على رئيس المقاولة أن يبين فيه نوعية الصعوبات التي تعرقل سير نشاط المقاولة التي من شأنها أن تؤدي بها للتوقف عن الدفع، حيث نصت في الفقرة الثانية منها على أن :”يودع رئيس المقاولة طلبه، لدى كتابة ضبط المحكمة المختصة ويبين فيه نوعية الصعوبات التي من شأنها أن تخل باستمرارية نشاط المقاولة”

غير أن قبول طلب فتح مسطرة الإنقاذ رهين بمدى جدية الصعوبات المثارة والتي يكون من شأنها الاخلال بوضعية المقاولة، وبالتالي لا يتصور تضمين الطلب الصعوبات والعراقيل التي لا تشكل خطرا على وضعية المقاولة.

ثانيا: إجراءات ممارسة مسطرة الإنقاذ

تتم إجراءات ممارسة مسطرة الإنقاذ عن طريق تقديم الطلب إلى رئيس المحكمة الذي يستمع بدوره إلى رئيس المقاولة قبل نشر إشعار المسطرة للعموم.

  1. تقديم الطلب

لرئيس المقاولة الحق في تقديم طلب فتح مسطرة الإنقاذ إلى كتابة ضبط المحكمة بمقتضى نص المادة 561 مرفوقا بعدد من الوثائق الواجب توفرها لفتح مسطرة الإنقاذ كما حددتها المادة755 من مدونة التجارة والمتمثلة في:

  • القوائم التركيبية لآخر سنة مالية مؤشر عليها من طرف مراقب الحسابات إن وُجد.
  • جرد وتحليل قيمة جميع أموال المقاولة المنقولة و العقارية.
  • قائمة بالمدينين مع الإشارة إلى عناوينهم ومبلغ مستحقات المقاولة والضمانات الممنوحة لها بتاريخ التوقف عن الدفع.
  • قائمة بالدائنين مع الإشارة إلى عناوينهم ومبلغ ديونهم والضمانات الممنوحة لهم بتاريخ التوقف عن الدفع.
  • جدول التحملات.
  • قائمة الأجراء وممثليهم إن وجدوا.
  • نسخة من النموذج 7 من السجل التجاري.
  • وضعية الموازنة الخاصة بالمقاولة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.

كما يمكن لرئيس المقاولة عند تقديمه طلب فتح مسطرة الإنقاذ أن يعزز طلبه هذا بأية وثيقة أخرى تبين بوضوح الصعوبات التي تعاني منها مقاولته، مع ضرورة إرفاق الطلب بمشروع مسطرة الإنقاذ، يحدد فيه جميع الالتزامات الضرورية لإنقاذ المقاولة، وأيضا كيفية أداء الديون التي يشملها والضمانات الممنوحة لتنفيذ المخطط تحت طائلة عدم قبول الطلب الذي تقدم به (المادة 562 من قانون 17-73).

  • الاستماع لرئيس المقاولة

وهو مقتضى نصت عليه المادة 563 من قانون 17-73 بأنه:” تبت المحكمة في طلب فتح مسطرة الإنقاذ بعد استماعها لرئيس المقاولة بغرفة المشورة خلال أجل خمسة عشر يوما من تاريخ تقديمه إليها”.

من خلال نص المادة يمكن القول إن المشرع المغربي حدد مكان الاستماع لرئيس المقاولة بغرفة المشورة وحدد لها أجل خمسة عشر يوما، غير أنه لم ينص على طريقة التبليغ، وهو ما يستفاد منه أنها تتم وفقا للقواعد العامة المنصوص عليها في الفصول 38،37،36 من قانون المسطرة المدنية.

كما يمكن أيضا التبليغ بالطريقة الإلكترونية إعمالا لمقتضيات المادة 545 من قانون 17-73 التي تنص على أنه: “يتعين القيام بجميع الاجراءات المتعلقة بمساطر صعوبات المقاولة المنصوص عليها في هذا الكتاب بطريقة إلكترونية، وفق الكيفيات المحددة بموجب نص تنظيمي”.

وبخصوص الأشخاص الذين يمكن للمحكمة استدعاؤهم لأجل الاستماع إليهم للتحقق من وضعية المقاولة فقد نصت المادة L621-1 من مدونة التجارة الفرنسية[15] على استدعاء المدين وممثلي لجنة المقاولة ونائبي الأجراء، على العكس من القانون الجديد رقم 17-73 الذي لم ينص على أي مقتضى بهذا الخصوص.

  • نشر إشعار مسطرة الإنقاذ

يحدد رئيس المحكمة عند تقديم طلب فتح مسطرة الإنقاذ مبلغا لتغطية مصاريف الإشهار وتسيير هذه المسطرة، يودع فورا بصندوق المحكمة من طرف رئيس المقاولة [16]، حيث نصت المادة 584 من القانون 17-73 على أنه :”… يقوم كاتب الضبط بنشر إشعار بالحكم، يتضمن اسم المقاولة كما هو مقيد في السجل التجاري، وكذا رقم تسجيلها به، في صحيفة مخول لها نشر الإعلانات القانونية، وفي الجريدة الرسمية داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ صدوره، ويدعو الدائنين إلى التصريح بديونهم للسنديك المعين، ويعلق هذا الإشعار على اللوحة المعدة لهذا الغرض بالمحكمة المصدرة للحكم فور النطق به.

يشار إلى الحكم، عند الاقتضاء، بسجلات المحافظة على الأملاك العقارية أو بالسجلات الخاصة بتسجيل السفن والطائرات، حسب الحالة.

يبلغ كاتب الضبط الحكم إلى رئيس المقاولة والسنديك داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ صدوره.”

المطلب الثاني: آثار حكم مسطرة الإنقاذ

سنعمل من خلال هذا المطلب على دراسة الآثار المترتبة على كل من رئيس المقاولة في الفقرة الأولى، قبل التطرق إلى الآثار المترتبة عن مسطرة الإنقاذ خلال مرحلتي إعداد واختيار الحل في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: الآثار المترتبة على رئيس المقاولة و السنديك

سنتناول من خلال هذه الفقرة الآثار المترتبة عن حكم فتح مسطرة الإنقاذ على رئيس المقاولة أولا، ثم بعد ذلك سنتطرق للآثار المترتبة على السنديك.

أولا: الآثار المترتبة على رئيس المقاولة

تنص المادة 566 من القانون 17-73 على أنه : يختص رئيس المقاولة بعمليات التسيير ويبقى خاضعا لمراقبة السنديك الذي يرفع تقريرا بذلك للقاضي المنتدب 

يستفاد من نص المادة أعلاه أن الحكم بفتح مسطرة الإنقاذ لا ينهي سلطات رئيس المقاولة وإنما يبقى هذا الأخير يمارس سلطاته في التسيير، إلا أنه يخضع لمراقبة السنديك الذي يرفع بدوره تقريرا للقاضي المنتدب بخصوص أعمال التصرف وتنفيذ مخطط الإنقاذ.

لكن يبقى السؤال هل يتعرض رئيس المقاولة خلال هذه المرحلة لأية جزاءات أو إبطال لتصرفاته؟

كإجابة عن السؤال نصت المادة 574 من القانون 17-73 على أنه: لا تطبق على مسطرة الإنقاذ مقتضيات الباب الحادي عشر من القسم السادس من هذا الكتاب. أي تم استثناء مسطرة الإنقاذ من فترة الريبة وبطلان تصرفات المسير .

ومن الآثار المترتبة عند الحكم بفتح مسطرة الإنقاذ أن تقع على عاتق رئيس المقاولة التزامات تتمثل في إعداد جرد لأموال المقاولة المادية والمعنوية، عقارات أو منقولات، وكذا ديون المقاولة لدى الغير والضمانات المثقلة بها إعمالا لنص المادة 567 من قانون 17-73[17] . غير أننا نتساءل ما العمل في حالة عدم الإدلاء بهذا الجرد المطلوب؟ سؤال أجابت عنه المادة 567 في فقرتها الثانية حيث جاء فيها: “…غير أنه ولا يحول عدم الادلاء بالجرد المذكور أعلاه، دون ممارسة دعاوي الاسترداد أو الاستحقاق.”

ثانيا: الآثار المترتبة على السنديك

بمجرد الحكم بفتح مسطرة الإنقاذ تعين المحكمة السنديك الذي تناط به مهمة مراقبة مخطط الإنقاذ من خلال مراقبة تصرفات رئيس المقاولة ومدى قيامه بالالتزامات المنوطة به، كما أوكل المشرع للسنديك مهمة إعداد تقرير يرفعه إلى القاضي المنتدب الذي عينته المحكمة.

وعلى السنديك أن يعمل من خلال التقرير الذي يتقدم به على إعداد موازنة مالية واقتصادية واجتماعية للمقاولة[18] بمشاركة فعلية  لرئيس المقاولة بعدما كان يعطيه مجرد المساعدة المحتملة[19] .

 وعلى ضوء هذا التقرير يقترح على المحكمة الحل الأنسب، إما اعتماد مخطط الإنقاذ وإما التسوية أو التصفية القضائية، وبذلك تقرر المحكمة اعتماد مخطط الإنقاذ إذا تبين لها من تقرير السنديك إمكانات جدية لإنقاذ المقاولة، وتحدد مدة المخطط على ألا تتجاوز هذه المدة خمس سنوات يستفيد منها الكفلاء سواء كانوا أشخاص ذاتيين متضامنين أم لا، كما يستفيدون من وقف سريان الفوائد  المنصوص عليها في المادة 692 من نفس القانون.

الفقرة الثانية : آثار مسطرة الإنقاذ خلال مرحلتي إعداد واختيار الحل.

سنتناول خلال هذه الفقرة الآثار التي تترتب عن الحكم بفتح مسطرة الإنقاذ خلال مرحلة إعداد الحل(أولا) ثم بعد ذلك للآثار المترتبة خلال مرحلة اختيار الحل (ثانيا).

أولا: آثار مسطرة الإنقاذ خلال مرحلة إعداد الحل

   تحدد المحكمة مدة تنفيذ مخطط الإنقاذ شريطة عدم تجاوز هذه المدة خمس سنوات كلما تبين لها وجود إمكانات جدية لإنقاذ المقاولة وأن هذه الأخيرة قامت بتنفيذ مخطط الإنقاذ إعمالا لمقتضيات المادة 571 من قانون 17-73. غير أنه في حالة عدم تنفيذ المخطط فإنه للمحكمة، إما تلقائيا أو بطلب من أحد الدائنين، وبعد الاستماع لرئيس المقاولة و السنديك، فسخ مخطط الإنقاذ والحكم بفتح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية( المادة 573)، بناء على تقرير مفصل يعده السنديك يحدد فيه الموازنة المالية والاقتصادية والاجتماعية، يقترح فيه على المحكمة إما اعتماد مخطط الإنقاذ أو إخضاع المقاولة لمخطط التسوية أو التصفية القضائية.

وقد ألزم المشرع المغربي من خلال المادة 595 من القانون 17-73 أن يعرض هذا التقرير على القاضي المنتدب خلال أجل أربعة أشهر الموالية لتاريخ صدور الحكم بفتح مسطرة الإنقاذ قابلة للتجديد مرة واحدة وبطلب من السنديك يوجهه للمحكمة.

أما المشرع الفرنسي فيخالف المشرع المغربي سواء من خلال الآجال أو الأشخاص الذين لهم حق طلب التمديد، حيث نص على أجل ستة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة بطلب كل من النيابة العامة أو الدائنين أو المتصرف القضائي Administrateur Judiciaire الذي تناط به مهمة حماية مصالح العمال، إعمالا لمقتضيات المادة L621-2 من مدونة التجارة الفرنسية[20]

ما يمكن ملاحظته هو أن المشرع الفرنسي وفر حماية قانونية أكثر من نظيره المغربي، حيث نص على آجال أطول، وكذا وسع من دائرة الأجهزة التي لها حق طلب تحديد الآجال لتشمل كل من النيابة العامة والدائنين والمتصرف القضائي بدل المشرع المغربي الذي نص فقط على السنديك.

هذا وقد ألزمت المادة 605 من قانون 17-73 السنديك بأن يشعر برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل  رئيس المقاولة والمراقبين بخصوص تقرير الموازنة.

غير أن الإشكال الذي قد يثار بهذا الخصوص يتعلق بالسر المهني الذي قد يصطدم به السنديك أثناء مباشرته لهذه المهام ويقف حاجزا أمام تقدمها، وهنا تستوقفنا المادة 597 من قانون 17-73 التي أعطت الأحقية للسنديك في الحصول على أية معلومة من شأنها أن توضح له الوضعية الاقتصادية والمالية للمقاولة.

ثانيا: آثار مسطرة الإنقاذ أثناء اختيار الحل

بعد انتهاء السنديك من إعداد تقرير الموازنة الاقتصادية والمالية والاجتماعية للمقاولة موضوع حكم مسطرة الإنقاذ وإعداده الحل يقدم تقريرا للمحكمة التي تكون لها صلاحية اختيار الحل المناسب بعد الاستماع لرئيس المقاولة والمراقبين.

وهنا يجب التميز بين حالتين أثناء اختيار الحل:

الحالة الأولى: التي تكون قبل التوقف عن الدفع حيث تقرر المحكمة اعتماد مخطط الإنقاذ وتقضي بقفل المسطرة.

الحالة الثانية: التي تكون بعد التوقف عن الدفع والتي يتحدد موقف المحكمة فيها حسب ما إذا كانت وضعية المقاولة ليست مختلة بشكل لا رجعة فيه، فتعتمد مسطرة التسوية القضائية، أما إذا كانت وضعيتها مختلة بشكل لا رجعة فيه، فإن المحكمة آنذاك تقضي بالتصفية القضائية(المواد 583 و 585 من قانون 17-73).

هذا وتجدر الإشارة إلى عدد من المقتضيات المشتركة بين مرحلة الإنقاذ ومسطرة التسوية القضائية والتصفية القضائية والمتمثلة بصفة عامة في:

  • إعادة النظر في مسطرة تحقيق الديون وذلك بتوسيع دائرة الأشخاص الذين يتعين إشعارهم بالتصريح بالدين، وتحديد آجال جديدة للتصريح بحسب فئة الدائنين والتنصيص على القبول الاحتياطي للديون العمومية التي لم يصدر بشأنها سند تنفيذي وتحديد الطرف الذي يتعين عليه رفع المنازعة إلى الجهة المختصة.
  • مراجعة طرق الطعن من جهة تحديد الأطراف الذين لهم حق الطعن بالاستئناف وتخويل النيابة العامة هذا الحق.
  • التنصيص صراحة على إمكانية وقف التنفيذ المعجل بالأحكام الصادرة بالتصفية أو التفويت الكلي بمقال مستقل مرفوع إلى محكمة الاستئناف .
  • التأكيد على عدم جواز الطعن بإعادة النظر في الأحكام الصادرة في إطار هذه المسطرة.
  • التدقيق في صياغة مجموعة من المواد بالشكل الذي يجعلها تستوعب ما توصل إليه الاجتهاد القضائي[21].

خاتمة

 خلاصة القول، إن المشرع المغربي من خلال القانون رقم17-73 عمل على خلق مقتضيات جديدة تروم بالأساس الحفاظ على المقاولة، سواء تعلق الأمر بتقوية وتعزيز مساطر المعالجة أو اعتماد مسطرة الإنقاذ التي نحن بصدد دراستها في هذا الموضوع.

فقد عمل المشرع المغربي من خلال إصداره للقانون 17-73 على مواكبة الركب التشريعي نظرا للعيوب التي كانت تطال الكتاب الخامس من مدونة التجارة المتعلق بنظام صعوبات المقاولة والذي استمر العمل به لأزيد من 21 سنة .

وتعتبر مسطرة الإنقاذ أحد أهم المستجدات التي اقتبسها المشرع المغربي وفقا لقانون 17-73 من القانون الفرنسي الصادر سنة2005، والتي عمل من خلالها على تقوية نظام صعوبات المقاولة من خلال تقديم ضمانات قانونية مهمة وتوسعة مساحة اشتغال رئيس المقاولة لأجل تقويم مقاولته وعلاجها حتى لا تمر إلى مسطرة المعالجة أو التصفية القضائية.

غير أن الإشكال الذي قد يبقى مثارا بصدد هذه الدراسة يتعلق بمدى تنزيل هذه المقتضيات على مستوى العمل اليومي، هل سيعرف تحسنا أم أن عددا من الإكراهات التي كانت على مستوى الكتاب الخامس من مدونة التجارة المتعلقة بتطبيق مساطر صعوبات المقاولة ستتكرر مع القانون الجديد  خصوصا ما يتعلق بمؤسسة السنديك والقاضي المنتدب؟ سؤال يبقى التطبيق العملي رهين بالإجابة عليه.


[1] – المهدي شبو، لماذا تبني المشرع المغربي نظام صعوبات المقاولة؟ مجلة  المحاكم المغربية، العدد 89 غشت 2001، ص: 67٬68.

[2] – ظهير شريف رقم 78-105 صادر بتاريخ 15 محرم 1427 (14 فبراير 2006) المتعلق بتنفيذ قانون رقم 03-34 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها الجريدة الرسمية عدد 5397، ص: 435.

[3] – قانون رقم 95.15 المتعلق بمدونة التجارة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 83.96.1 بتاريخ 15 ربيع الأول 1417 (فاتح أغسطس 1966) الجريدة الرسمية عدد 4418 بتاريخ 3 أكتوبر 1996.

[4] – قانون رقم 15.95 المتعلق بشركة المساهمة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 124. 1.96 بتاريخ 30 غشت 1996 منشور بالجريدة الرسمية عدد 4422 بتاريخ 17-10-1996.

[5] –  قانون رقم 53.95 المتعلق بإحداث المحاكم التجارية الصادر بتنفيذه ظهير 12 فبراير 1997 منشور بالجريدة الرسمية عدد 4482 بتاريخ 15 ماي 1997 ص: 1142

[6] -قانون 17-73 بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من قانون 15-95 المتعلق بمدونة التجارة الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6667 بتاريخ    23 أبريل 2018، ص:2345.

[7] – عبد الحميد اليعقوبي، وضعية البنك مانح الائتمان لمقاولة خاضعة لمساطر المعالجة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص ، مخبر الدراسات القانونية والاجتماعية، كلية العلوم القانونية والقضائية والاجتماعية ، جامعة محمد الأول وجدة، السنة الدراسية 2018-2019، ص:62.

[8] – لوبنى بومهتاين، المسطرة القانونية لانقاذ المقاولة، مجلة القانون المغربي، مطبعة دار السلام ، العدد 38، يوليوز 2018، ص:24.

[9]–  L’article 620-1 du code de commerce n2005-845 en 26 juin2005entrée en vigueur le 1 janvier 2006

[10] – عبد الحميد اليعقوبي، تطور نظام صعوبات المقاولة على ضوء مستجدات قانون 17-73 ،مقال صادر في مؤلف جماعي حول تطور القانون الخاص من خلال النص التشريعي والعمل القضائي ، إصدار مركز الدراسات والأبحاث القانونية والقضائية والاجتماعية ، مطبعة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى 2019، ص:252

[11] – مصطفى خويا موح، عبد الحق الراوي، مميزات مسطرة الانقاذ، ، مطبعة الوراقة الوطنية بمراكش، الطبعة الاولى 2018، ص:88.

[12] -عبد الإله برجاني، دور الرئيس في الوقاية من التوقف عن الدفع، أشغال الندوة الرابعة للعمل القضائي والبنكي ،المعهد العالي للقضاء، مطبعة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، طبعة 2004، ص:71.

[13] تنص المادة 620-1 من القانون الفرنسي الصادر سنة 2005 على أنه : تفتح مسطرة الانقاذ بناء على طلب المدين المشار اليه في المادة 620-2 بدون أن يكون في وضعية التوقف عن الدفع.

[14] – للتوسع أكثر في مفهوم التوقف عن الدفع وأحكامه يراجع:

محمد لفروجي: التوقف عن الدفع في قانون صعوبات المقاولة –دراسة تحليلية نقدية مذيلة بعينات من العمل القضائي في الموضوع- مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1998.

[15]–  Selon l’article 621-1 du code de commerce : le tribunal statue sur l’ouverture de la procédure, après avoir entendu ou dument appelé en chambre du conseil le débiteur et les représentants du comité d’entreprise ou, à défaut, des délégués du personnel.

[16] – للتعمق أكثر يراجع كل من:

– مصطفى درويش، النظام القانوني لمسطرة الانقاذ وفق القانون الجديد 17-73، مقال منشور بموقع https://www.maroclaw.com بتاريخ 22-11-2018 على الساعة 13:25

– وسيم الزيعمري، مسطرة الانقاذ في قانون 17-73 الجديد المتعلق بقانون صعوبات المقاولة، مقال منشور بموقع https://elkanoon.blogspot.com/2018/08/7317.html

[17] تنص المادة 567 من قانون 17-73 على أن : يتعين على رئيس المقاولة ، بمجرد فتح مسطرة الإنقاذ، اعداد جرد لأموال المقاولة وللضمانات المثقلة بها، يضعه مرفقا بقائمة مؤشر عليها من طرفه رهن اشارة القاضي المنتدب والسنديك. ويشير فيه الى الأموال التي من شأنها أن تكون موضوع حق استرداد من قبل الغير…

[18] – مصطفى بونجة، نهال اللواح، مساطر صعوبات المقاولة وفقا لقانون 17-73 ، الطبعة الأولى 2018، مطبعة ليتوغراف –طنجة، ص:180.

[19] – عبد الرحيم شميعة، شرح أحكام نظام صعوبات المقاولة في ضوء القانون 17-73،الطبعة الأولى 2018، مطبعة الأمنية، الرباط، ص:144.

[20] – Le jugement ouvre une période d’observation d’une durée maximale de six mois qui peut être renouvelée une fois par décision motivée à la demande de l’administrateur, du débiteur ou du ministère public

[21] – عبد الحميد اليعقوبي، وضعية البنك مانح الائتمان لمقاولة خاضعة لمساطر المعالجة، م س، ص:65

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!