Revue ADALA

عدالة

مجلة دورية

التحكيم الدولي في النزاع الضريبي

مصطفى الفـوركي

دكتور في الحقوق ومحكم دولي

مدير مجلة القانون والأعمال الدولية

يخضع التحكيم الدولي في تنظيمه إلى قواعد قانونية خاصة من وضع المشرع الداخلي، مثل القانون الفرنسي[1]، والقانون السويسري[2]، والقانون الإيطالي[3]، والقانون اليوناني[4]، والقانون السويدي[5]، والقانون الهولندي[6]، والقانون اللبناني[7]، والقانون البلغاري[8]، والقانون التونسي[9]، والقانون الجزائري[10]، والقانون البرازيلي[11]، والقانون المغربي[12].

يعتبر التحكيم الدولي بصفة عامة هو النظام الذي يحسم المنازعات التي يكون فيها أطراف وعناصر أجنبية، ففي هذا الإطار يمكن أن تثار مشكلة تنازع القوانين، كما أن جميع القوانين تقر بحق الأطراف في فض النزاعات في مجال العقود الدولية وفي مجالات أخرى، وذلك بتحديد واختيار القواعد الموضوعية الواجبة التطبيق[13]

ومن جهة أخرى لا يلزم تعليل الأحكام التحكيمية الدولية طالما اتفق الأطراف على ذلك أو كان القانون الواجب التطبيق على الإجراءات لا يشترط التعليل وهذا ما يعترف به القانون النمطي للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي لعام 1985[14] وقواعد اليونيسترال لعام [15]1976 واتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري لعام [16]1987.

كما أن حكم التحكيم الداخلي يقبل الاستئناف لدى بعض النظم القانونية، من ذلك القانون الإنجليزي للتحكيم لسنة 1996[17] والقانون الفرنسي[18] والقوانين التي تأثرت به كالقانون التونسي لسنة 1993[19] والقانون البلجيكي لعام 1998[20]والقانون المغربي[21]

وهذا غير جائز في النظم القانونية في شأن التحكيم الدولي، وهذا أمر له ما يبرره بحسبان أن الطعون فيها تبتغي عادة إصلاح الحكم عند مخالفته قواعد القانون، حتى لا تهتز ثقة المتقاضين في الأحكام التي تتضارب في شأن قضايا متطابقة، والذي يملك التصحيح هو الهيئة القضائية الأعلى درجة، مما يستلزم التدرج بين محاكم السلطة القضائية. وهذا لا تتوفر معطياته في أحكام التحكيم التي تصدر عن هيئات خارجة عن هيمنة السلطة القضائية لأية دولة، والتي ليست حارسة على تطبيق قانون وطني معين[22]

كما أن تنفيذ أحكام التحكيم الدولي فيخضع لقواعد الأمر بتنفيذ الأحكام الأجنبية، واستيفاء الشروط اللازمة لصحة الحكم من الناحية الدولية، فضلا عن الخضوع للقواعد التي تقررها الاتفاقيات الدولية الخاصة بالاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها ومن ذلك اتفاقية نيويورك لسنة 1958.

قامت غرفة التجارة الدولية في برنامج عملها سنة 1999 على إعادة التأكيد على التزاماتها بتشجيع الحكومات على قبول التحكيم الإجباري في المنازعات الضريبية الدولية، ووفقا لها التحكيم بالنسبة للحكومات أو المقاولات له من المميزات ما يجعله الحل الناجع لفض المنازعات الضريبية بطريقة نزيهة وفعالة وكذلك بتكلفة أقل.

وفي المقابل فانه يحفز النمو والتنمية الاقتصادية العالمية وذلك عن طريق القضاء على مظاهر الازدواج الضريبي.

ومع ذلك فقد توجد صعوبة في تحديد الوضعية التي يكون فيها النزاع الضريبي يحتوي على عنصر أجنبي لكي يكون محلا للتحكيم الدولي، وعدم الانسياق وراء الحالات النادرة جدا للتحكيم في النزاع الضريبي في إطار التحكيم التجاري، ورفع احتمال بأن يكون هناك تحكيم في النظام الدولي في نزاع بين دولة تتصرف في إطار الصلاحيات السيادية والخاضع للضريبة قد يبدو مفاجئا.

ومع ذلك يمكننا أن نشير إلى افتراضين اثنين يمكن أن يؤديا إلى إدخال القضايا الضريبية في التحكيم التجاري الدولي.

هذه الافتراضات تتعلق بشأن توسيع نطاق شرط التحكيم وتغيرات في التشريعات الضريبية في العقود المبرمة بين المستثمرين في القطاع الخاص والعام.

فالفرضية الأولي هي على سبيل المثال احد الأطراف يلقي باللوم على موقف الدولة من خلال أدارة الضرائب وصفت بالمضايقة والتي لا تجعل الأرضية ملائمة لأجل القيام بالمجهودات لأجل استكمال ما تم التعاقد عليه بين الدولة والمتعاقدين معها .

وقد جاء في قرار تحكيمي رقم 192/6233 اتهام المقاول للدولة بالتدليس وإنما تخضع لسلوكيات الإدارة الضريبية مما نتج عنه رفض المحكم للطلب بداعي عدم اختصاصه: “مهما كانت الشروط التعاقدية بين الأطراف والدولة والتي لإدارة الضرائب التصرف بموجب الصلاحيات السيادية، تعتزم فرض الضرائب على المتعاقد مع الدولة، لا يمكن أن يشكل تدليسا منسوبا للدولة المتعاقدة، وعلاوة على ذلك أن هيئة التحكيم لا تحكم على موقف الإدارة الضريبية”.[23]

أما فيما يتعلق بفرضية تغيير التشريعات الضريبية في العقود المبرمة بين المستثمرين في القطاع الخاص والدول فنرى بأن الأحكام التحكيمية الصادرة في مثل هذه الأنواع من القضايا لهو أمر نادر.

فهناك مجموعة من التفسيرات منها انخفاض في عدد شروط التحكيم في عقود الاستثمار والأعمال التي تؤدي إلى إصدار قرارات التحكيم. فإذا ما قمنا بإحصاء الأحكام التحكيمية المتعلقة بالتحكيم في المنازعات الضريبية لوجدنا أغلبيتها تنطوي تحت التحكيم الدولي.

فهكذا في قضية جمعت بين دولة إفريقية ومقاولة بترولية أمريكية[24]، قررت محكمة التحكيم أنه في إطار العقود التي تبرمها الدولة، لا يمكن لها في إطار سلطتها وصلاحياتها الانتفاع بآثار عدم اختصاص المحكمة بالتمسك بخصائص القانون الضريبي في النزاع دون تجاهل شرط التحكيم الذي اتفق عليه الأطراف وكذا مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود.

وأحد من بين أهم الأسباب الرئيسية لهذا الحكم هو أن النظام العام الدولي لا يشكل عائقا أمام التحكيم في المنازعات الضريبية بل على العكس فانه يطلب أن يحل مثل هذه النزاعات عن طريق التحكيم عندما يكون هناك شرط التحكيم الذي يغطي هذا النوع من النزاعات.

ومن جهة أخرى قد تبنت معظم المنظمات الدولية كمنظمة التعاون والاقتصاد والتنمية وكذا منظمة الأمم المتحدة فكرة التحكيم الضريبي كوسيلة رئيسية وفعالة لأجل فض النزاعات الضريبية الدولية.

كما قامت هذه المنظمات بدعوة الدول الأعضاء بالاحتكام إلى الاتفاقيات الثنائية لفض المنازعات ومنع الازدواج الضريبي مع تبني التحكيم كوسيلة لحسم هذه المنازعات، وقد مهدت هذه المنظمات قبل النص صراحة على التحكيم باتباع إجراءات الاتفاق المتبادل بين الدول الأعضاء كوسيلة للتوصل لحل المنازعات الناشئة عن تطبيق الاتفاقيات الضريبية.

ومن ناحية أخرى قد أعدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD نموذجا لاتفاقيات الضرائب على الدخل والرأسمال في المنظمة سنة 2010[25]كما تم تعديل المادة 25 من نموذج الاتفاقات الضريبية والخاصة بإجراءات الاتفاق المتبادل والتي نصت على جواز لجوء الدول الأعضاء للتحكيم الضريبي كوسيلة لفض المنازعات الضريبية وذلك لإتاحة الفرصة للدول المتعاقدة حول أوجه الخلاف تمهيدا لحلها[26]

ومن أهم الموضوعات التي تكون مثارا للنزاع الضريبي وتحتاج إلى الاتفاق المتبادل ما يلي:

  • تعريف وتحديد المنشأة الدائمة
  • تقسيم الإيرادات الضريبية بين الدولتين إذا ما أرادت احدى الشركات إعادة الهيكلة للاستفادة من المزايا الضريبية
  • تحديد الإجراءات اللازمة لإنهاء النزاع[27]

ومع ذلك فان إجراءات الاتفاق المتبادل تكون محل انتقاد نظرا لنقصها في مجموعة من النقاط منها ما يلي:

  • أن هذه الاتفاقات لا تمنع الازدواج الضريبي بل تسعى فقط إلى تشجيع الدول المتعاقدة على العمل على هذا الازدواج
  • في هذه الاتفاقيات لا يوجد ما يفرض على الدولة المتعاقدة على منح الخاضع للضريبية الموجود على ترابها والذي ينتمي إلى دولة أخرى أي ضمانات بشأن مسألة الازدواج الضريبي
  • طول مدة النزاع دون جدوى نظرا لان هذه الاتفاقيات لا تتضمن إجراءات محددة أو مدد معينة للتوصل إلى اتفاق ملزم
  • هذا الأسلوب غير مجدي مع تعدد الأنظمة الضريبية واختلافها دوليا الأمر الذي يدعو إلى تبني وسيلة محددة واضحة الآليات في هذا الشأن[28]

ومن هنا ونتيجة لمجموع هذه الصعوبات فقد تبنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECDمبدأ التحكيم لفض المنازعات الضريبية. وان كان نطاق هذا التحكيم ونوعه يختلف حسب السياسة التي تتبعها كل دولة فقد يكون التحكيم إجباريا وهذا ما تدعو إليه المنظمة كما انه قد يكون اختياريا في الحالة التي يكون فيها التحكيم الإجباري يتعارض مع نصوص دستورية داخل الدولة المتعاقدة[29]

كما صدر نموذج الأمم المتحدة سنة 2011 متضمنا هو الآخر صيتين للاتفاق المتبادل لحل منازعات الاتفاقيات الضريبية إحداها تتضمن التحكيم الإجباري والأخرى لا تنص عليه حتى يكون الأمر ملائما ومناسبا لظروف كل دولة.

والهدف من التنصيص على التحكيم هو حث الدول الأعضاء على سرعة الفصل الجدي في المنازعات وليس مجرد المفاوضات التي لا طائل من ورائها[30]

ومن جهة أخرى اقترحت غرفة التجارة الدولية أن يصبح التحكيم إجباريا وملزما في المعاهدات الضريبية الثنائية أو المتعددة.

المطلب الأول: تطبيقات التحكيم الضريبي الدولي

هناك مجموعة من نماذج اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي OECDوكذا منظمة الأمم المتحدة [31]UNالتي تحدد نطاق التحكيم بكافة الأفعال التي تقوم بها الدولة المتعاقدة والتي تتعارض مع أحكام الاتفاقية التي أبرمتها سلفا مع دولة أخرى، ولذا لا يجوز التحكيم الضريبي في الحالتين معا:

  • المسائل التي سبق الفصل فيها من قبل قضاء الدولة المتخصصة
  • الضرائب التي تشرع الدولة في إصدارها طالما لم تصدر ولم تطبق فعلا ونشأ عن تطبيقها مشكلات تتعارض مع نص الاتفاقية التي أبرمتها الدولة.

وان كان يجوز للدولة أن تنص صراحة في اتفاقياتها الثنائية على جواز إعادة عرض المسائل التي سبق الفصل فيها إداريا أو قضائيا[32]

والملاحظ أن هذه الفقرة تخالف مبدأ قانونيا وقضائيا وهو حجية الأحكام القضائية باعتبارها عنوانا للحقيقة. ومن هنا نرى بان أحكام القضاء المصري استقر على مبدأ حجية الأحكام القضائية هو أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي وقد حرص المشرع المصري على الالتزام بهذا المبدأ الذي نلخصه في أن قرينة الصحة في الأحكام القضائية، وهي ليست قرينة حتمية فما أعوز القضاة للعصمة بيد أن المشرع أطلقها رعاية لحسن سير العدالة واتقاء لتأبيد الخصومات وتجنبا لتضارب الأحكام القضائية بما يخل بالثقة العامة في أحكام القضاء[33].

فلا يجوز التعرض لمسألة سبق أن ادلى فيها القضاء بدلوه وقال كلمته وذلك حفاظا على الحقوق والمراكز القانونية المستقرة.

خلاصة القول إن هذه النماذج الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي وكذلك الأمم المتحدة ما هي إلى على سبيل الاستشارة وليس الإلزام بحيث يمكن للدول الأخذ بما جاء فيها من أحكام كما أنها يمكن ألا تأخذ بها. كما يحق للدول كذلك أن تضيف عليها أحكاما أخرى لم تكن قد نصت عليها.

فالحرية لكل دولة متعاقدة في الأخذ بها أو تركها على حسب ظروفها ونظامها القانوني المطبق، أما من حيث الواقع العملي للاتفاقيات الثنائية نجد أن هذه الاتفاقيات في الغالب تحرص على تحديد نطاق التحكيم على نحو محكم حتى لا يثير الأمر اللبس أو الغموض ويمكن أن نستدل على ذلك بما يلي:

الاتفاقية اليابانية الهولندية لمنع الازدواج الضريبي المدلة في سنة 2011 قررت صراحة اللجوء إلى التحكيم لحسم المنازعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق الاتفاقية[34]

تعد الاتفاقية المبرمة بين الهندو فلندا سنة 2002 من أهم الاتفاقيات التي نصت صراحة على اللجوء إلى التحكيم كوسيلة لحسم المنازعات الضريبية والاستثمارية بين مستثمري هاتين الدولتين، وقد ثار نزاع بين الحكومة الهندية وبين شركة نوكيا بشأن تطبيق الضريبة على أرباح شركة نوكيا لأنها تستخدم أساليب ملتوية لتجنب الخضوع للضريبة.

بعد أن عرض النزاع على المحكمة العليا في الهند قضت بإلزام الشركة بسداد ما يقارب من 34 مليار روبية، واستجابة المحكمة لطلب مصلحة الضرائب الهندية بتعيين مراقب حسابات خارجي حتى يضمن جديتها وعدم تهربها من الالتزامات الضريبية مما حدى بالشركة إلى مخاطبة الحكومة الهندية بشأن تلك الأمور وانها تخالف صراحة اتفاقية ضمانة الاستثمار المبرمة مع دولتها وذلك تمهيدا لعرض النزاع على التحكيم الدولي[35]

الاتفاقية الأمريكية الكندية سنة [36]1980 لتجنب الازدواج الضريبي نصت صراحة على قائمة بالمسائل التي يجوز عرضها على التحكيم وهي :

  • تحديد المنشأة الدائمة
  • إقامة الأشخاص الطبيعيين دون الاعتباريين
  • أرباح الأعمال والإتاوات الخاصة بالأشخاص المرتبطين.

الاتفاقية الهولندية وبربا روسا سنة 2006 والتي قررت اعتماد التحكيم كألية لتسوية المنازعات الضريبية الناشئة عن تطبيق الاتفاقية ( المادة 24 الفقرة الخامسة )[37]

الاتفاقية الأوروبية الإيطالية نصت صراحة على انه لا يجوز اللجوء إلى التحكيم الضريبي إلا بموافقة الطرفين على ذلك وان يلتزموا بقرارات هيئة التحكيم التي تشكل وفق كل نزاع على حدة.

وتتكون هذه الهيئة من ثلاثة أعضاء تعين كل سلطة مختصة في الدولتين واحدا ثم يختار العضو الثالث من قبل المحكمين سواء من داخل الدولتين أو من خارجها وتطبق أحكام هذه الاتفاقية وأحكام القانون الدولي وتراعى القوانين السارية في الدولتين عند نظر كل نزاع وعلى الهيئة إصدار رأيها خلال سته أشهر من تاريخ عرض النزاع[38]

البرتوكول المبرم بين الولايات المتحدة واليابان في 24 يناير 2013 والذي قرر صراحة تعديل الاتفاقية الأمريكية اليابانية في مادتها رقم 25 وذلك بإضافة التحكيم الإجباري كوسيلة لحسم المنازعات الضريبية المتعلقة بالتحويل التسعيري وتحديد المنشأة الدائمة

الاتفاقية المصرية الهولندية لسنة [39]2000 التي أجازت عرض المنازعات المتعلقة بتفسير الاتفاقية أو تطبيقها على التحكيم اذا فشلت مساعي إجراءات الاتفاق المتبادل في حسم النزاع خلال خمس سنوات وذلك بعد توافر الشروط الأتية:

  • اتفاق الدولتين صراحة على اللجوء إلى التحكيم
  • الموافقة المسبقة للخاضعين للضريبة المعنيين على تنفيذ قرار هيئة التحكيم

الاتفاقية المبرمة بين أستراليا والسويد في المادة 24 الفقرة الخامسة نصت على جواز التحكيم في القضايا محل النزاع إذا ما توفرت الشروط التالية:

  • أن يطلب الملزم ذلك صراحة، وبالتالي لا يجوز للدولة من تلقاء نفسها أن تقرر اللجوء إلى التحكيم
  • ألا يكون النزاع المعروض على التحكيم سبق عرضه على هيئة قضائية أو صدر فيه حكم مسبق.
  • ينفذ حكم التحكيم الصادر إذا لم تقرر الدولتين المتعاقدتين اللجوء لوسيلة أخرى خلال الستة أشهر من تاريخ صدور الحكم.

الاتفاقية بين اليابان ونيوزيلاندا سنة 2012 أجازت في المادة 26 في فقرتها الخامسة اللجوء إلى التحكيم في القضايا محل النزاع بشرط أن يطلب الملزم ذلك صراحة، والا يكون النزاع سبق عرضه والفصل فيه أمام جهة قضائية أو إدارية ولكنها أقرت بإلزامية حكم التحكيم للدولتين بمجرد صدوره دون أن تعطيهما مهلة كما فعلت اتفاقيات أخرى مثل اتفاقية أستراليا والسويد التي أشرنا إليها سلفا.[40]

كما قررت الاتفاقية المبرمة بين روسيا وقبرص والمعدلة وفقا لبروتوكول 2010 على جواز النظر في الدعاوى الضريبية المتعلقة بأرباح أسهم الشركات الموزعة على الشركاء أمام محاكم التحكيم الروسية.

وذلك انطلاقا من إجراءات وضوابط حددتها المادة العاشرة في فقرتها الثانية المعدلة والتي تنص على ألا تتجاوز قيمة التخفيضات الضريبية على غير المقيمين 5%من قيمة أرباح الأسهم وبشرط ألا يقل استثمار هذا الشخص غير المقيم عن مئة ألف يورو في رأسمال الشركة.

وفي واقعة تأكيدا على ما ذكر قامة احدى الشركات القبرصية بشراء كافة أسهم شركة روسية حيث تم ذلك وفق نظام تبادل الأسهم بين الشركتين وأصبحت الشركة القبرصية هي المالكة الوحيدة للشركة الروسية، بعدها تم توزيع الأسهم على الشركات التابعة للشركة القبرصية.

وفقا لهذه العملية فان الشركة القبرصية تستحق الحصول على تخفيض ضريبي قدره 5%وفقا لأحكام الاتفاقية.

لكن السلطات الضريبية الروسية اعترضت على ذلك الأمر بحجة عدم توفر الشروط الخاصة بالتخفيض الضريبي والتي تتمثل في ضرورة أن تستثمر الشركة القبرصية مبلغ لا يقل 100 ألف يورو في الشركة الروسية وهذا الأمر لم يتم.

وما وقع بالفعل هو عملية تبادل الأسهم وليس استثمارا بالمعنى الفعلي لكن محكمة التحكيم الفيدرالية الروسية رفضت هذا الادعاء من قبل مصلحة الضرائب الروسية واستندت في ذلك إلى أن نصوص القوانين أو الاتفاقيات الضريبية إذا كان بها لبس أو غموض فانه يفسر لمصلحة الملزم وبالتالي لا يمكن قبول القول بان تبادل الأسهم لا يعد نوعا من الاستثمار لأنه يعد استثمارا غير مباشر ولذا انتهت المحكمة في حكمها إلى أحقية الشركة القبرصية في الحصول على التخفيض الضريبي بنسبة 5%.[41]

من جهة أخرى أخذت الاتفاقية الحديثة للازدواج الضريبي بين فرنسا والولايات المتحدة سنة 2008 بالية التحكيم كوسيلة لفض النزاعات الضريبية الناشئة عن تطبيق الاتفاقية وذلك استنادا على نموذج منظمة التعاون الاقتصادي OECD للاتفاقيات الضريبية والصادر سنة 2008.

المطلب الثاني: تطبيقات اختيار المحكمين من خلال الاتفاقيات الدولية للتحكيم الضريبي

فرضت اتفاقية الأمم المتحدة مجموعة من الشروط لأجل اختيار المحكم الذي سيقوم بحل النزاع القائم على الضريبة بين المتخاصمين ومن جملتها ضرورة أن يكون المحكم محايدا مستقلا مع إعطاء الحق للدولة الأخرى الاعتراض على المحكم الذي يثار حوله الشكوك بالإضافة إلى أن يكون خبيرا في الأمور المالية والضريبية والقانونية لأجل إصدار قرار تحكيمي يراعي جميع الجوانب خصوصا وعندما يكون هناك نزاع ضريبي بين مجموعة من الدول المصادقة على الاتفاقية فهذا النزاع يأخذ وجها ماليا وقانونيا لذلك استوجبت اتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة توفر هذه الصفات في المحكم.

أما بالنسبة لنموذج منظمة التعاون  OECDفلم ينص صراحة عن كيفية اختيار المحكمين أو عن مدى نزاهتهم مما يفتح الباب لعديد من الانتقادات والتي نراها صائبة خصوصا فيما يتعلق بالخبرات والتقنيات التي يجب أن يتوفر عليها المحكمين لأجل القيام بواجبهم على اكمل وجه خصوصا كما أفردنا سابقا على أن هكذا منازعات تستوجب خبرة ميدانية وعملية سواء على المستوى الضريبي بالإلمام بقوانينه وتقنياته الضريبية وكذا على المستوى القانوني .

تماشيا مع هذا الرأي السابق نجد أن جل الاتفاقيات المبرمة بين الدول تنص صراحة على التخصص الدقيق والكفء للمحكم الذي يعهد إليه بمهمة الفصل في المنازعات الضريبية ونأخذ على سبيل المثال:

  • التنصيص على تشكيل هيئة التحكيم من قضاة متخصصين سواء من الدولتين المتعاقدتين أو من خارجهما أو من المنظمات الدولية (محور الاتفاقية الألمانية السويدية لسنة 1994)
  • تتشكل الهيئة التحكيمية من ممثلين عن موظفي مصلحة الضرائب في البلدين وان يكون الرئيس من غير مواطني الدولتين (محور اتفاقية أمريكا وبلجيكا سنة 2005)

مما يجب الإشارة إليه هو أن المحكم أو الهيئة التحكيمية تحاول أن تقوم بتقريب وجهات النظر بين المتنازعان لأجل الوصول إلى حل عادل للقضية المطروحة أمامهم فان لم تفلح فإنها تقوم بالحكم بناء على قواعد العدل والإنصاف.

من هنا تولد نوع من التخوف لدى بعض الدول التي تخشى أن يتم اللجوء إلى التذرع بمبادئ العدالة والإنصاف كوسيلة لعدم تطبيق الاتفاقية لصالح أحد الأطراف من هنا قاما الاتفاقية الألمانية السويدية بحظر اللجوء إلى قواعد الإنصاف والعدل لإنهاء المنازعة والاقتصار حصرا على ما نصت عليه الاتفاقية من أحكام[42] وصولا إلى المبدأ الذي يسود العلاقات التعاقدية العقد شريعة المتعاقدين

كما نسجل بانه وعلى الرغم من التطور الحاصل في مجال القانون وطرق تسوية المنازعات على اختلاف إشكالها وأنواعها وظهور فكر جديد يشجع التحكيم الضريبي كوسيلة لفض المنازعات الضريبية الدولية إلا أن بعض الدول لاتزال متشبثة بموقفها الرافض للجوء إلى التحكيم، كما أنها تفضل الاتفاق المتبادل لحسم الخلافات والمنازعات الناشئة عن تطبيق اتفاقيات منع الازدواج الضريبي ومن بين أمثلة هذا الاتجاه:

  • الاتفاقية الروسية الإنجليزية لسنة 2004 والتي تنص على اللجوء إلى إجراءات الاتفاق المتبادل لحسم المنازعات خصوصا المادة 26 منها.[43]
  • الاتفاقية الإنجليزية الجنوب إفريقية لسنة 2002 والتي نصت هي الأخرى على الحوار المتبادل لفض النزاع من خلال المادة 25 منها.[44]

بالنسبة للدول العربية فنجد المثال المصري الذي ينص من خلال معظم الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها مع الدول الأخرى لأجل منع الازدواج الضريبي تفضل اللجوء إلى إجراءات الاتفاق المتبادل لحسم أي خلافات أو نزاعات. ومن أمثلة تلك الاتفاقيات:

اتفاقية مصر والولايات المتحدة الأمريكية لسنة 1981 من خلال المادة 27 التي تنص صراحة على اللجوء إلى الاتفاق المتبادل بين الدولتين لفض النزاع الضريبي وكذا الاتفاقية المصرية الصينية لسنة 1997 والتي دخلت حيز التنفيذ في سنة [45]2001 من خلال المادة 25 منها والتي تقر هي الأخرى بوجوب اللجوء إلى المفاوضات الثنائية لأجل الخروج بحل اتفاقي لفض المنازعات الضريبية بين الدولتين وأخيرا الاتفاقية المصرية الدنماركية لسنة 1989[46] من خلال المادة 25 والتي هي الأخرى أقرت بعدم اللجوء إلى التحكيم والاقتصار على التفاف المتبادل لأجل فض النزاعات.


[1]– حيث خصص قانون الإجراءات المدنية الباب الخامس من الكتاب الرابع للتحكيم الدولي بموجب التعديل الذي تم سنة 1981 ( المواد 1462 وما بعدها )

[2]– المواد 176-194 من مجموعة القانون الدولي الخاص السويسري الصادر في 18 دجنبر 1987

[3]– خصص المشرع الإيطالي المواد من 832 – 838 من قانون الإجراءات المدنية المعدلة بقانون 25 لسنة 1994 للتحكيم الدولي

[4]– القانون الصادر في 18 غشت 1999 حول التحكيم التجاري الدولي ويقع في 37 مادة

[5]– القاانون الصادر في 4 مارس 1999 بشأن التحكيم ويقع في 60 مادة

[6]– القانون الصادر في 6 يوليوز 1987 المواد 1020 وما بعدها

[7]– القانون رقم 20 لسنة 1985 المواد 809 وما بعدها

[8]– القانون الصادر في 5 غشت 1988 يقع في 51 مادة منه

[9]– القانون الصادر في 26 ابريل 1993 المواد 47 وما بعدها

[10]– القانون الصادر في 25 ابريل 1993 المواد 458 وما بعدها من قانون الاجراءات المدنية

[11]– القانون الصادر في 23 شتنبر 1996 يقع في 44 مادة

[12]القانون رقم 08.05 الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.07.169 بتاريخ 19 من ذي الحجة 1428 (30 نوفمبر2007)، الجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 25 ذو القعدة 1428 (6 ديسمبر 2007)، ص 3894. الفصول 29-327 الى 54-327 

[13]– أحمد عبد الكريم سلامة : علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع، دار النهضة العربية، القاهرة 1996 ص 1055

[14]– المادة 31/2 منه

[15]– وجاء بنص المادة 32/3 انه ” يجب أن يتسبب هيئة التحكيم القرار، ما لم يكن الطرفان قد اتفقا على عدم تسبيبه “

[16]– المادة 32/1 منه

[17]– المادة 79 وما بعدها

[18]– المادة 1482 من قانون الإجراءات المدنية.

[19]– المادة 36 و 39 من قانون التحكيم رقم 42/93 الصادر في 26 ابريل 1993

[20]– Herman VERBIST : Belgian arbitration law rev d raff int. 1998 p 859

[21]– ينص الفصل 33-327 من القانون رقم 08.05 ” يجب أن يكون الأمر الذي يرفض الصيغة التنفيذية معللا.

ويكون قابلا للطعن بالاستئناف وفق القواعد العادية داخل 15 يوما من تاريخ تبليغه. وتنظر محكمة الاستئناف، في هذه الحالة بناء على طلب الأطراف، في الأسباب التي كان بإمكانهم التمسك بها ضد الحكم التحكيمي عن طريق الطعن بالبطلان”

[22]– أحمد عبد الكريم سلامة : قانون التحكيم التجاري الدولي والداخلي. الطبعة الأولى 2004 دار النهضة العربية ص 83

[23]– Sentence citée par E. Gaillard, L’arbitrabilité des litiges fiscaux dans les investissements internationaux, pp. 42-43.

[24] – Le Gall : OP CIT p 253

[25]OECD : Model tax convention on income and on capital 2010. 10 august. 2012

[26]– صلاح حامد : جدوى التحكيم في فض المنازعات الضريبية. م س. ص 62  

[27]– William Streng : income tax treaty. p 23

[28]– Mario zuger : arbitration under tax treaties : improving legal protection in international tax law. ibfd publication BV. the netherlands 2001 P 11-16

[29]–  صلاح حامد : جدوى التحكيم في فض المنازعات الضريبية. م س. ص 64

[30]– UN : Report by the subcommittee on dispute resolution arbitration as an additional mechanism to improve the mutal agreement procedure. 2010 اورده صلاح حامد،م.س، ص 65

[31]– United nation model double taxation convention department of economic and social affairs. New York 2011

[32]– المادة : 25 الفقرة 73

[33]– قرار محكمة النقض المصري : نقض مدني، الطعن 9106 لسنة 1981 جلسة 07/04/2013

[34]– Koteraakira : the significance and problems of tax treaty arbitration : an analysis of the new japan-netherlands tax treaty. research institute of economy. tokyo japan 2011 p 33

[35]Jai Krishna : Nokia seeks international arbitration in india tax dispute. the wall street journal. 14 May 2014

[36]– Canada Us treaty 1980. Protocol amending the convention between Canada and the united states of America 21 September 2007

[37]– صلاح حامد : جدوى التحكيم في فض المنازعات الضريبية. م س. ص 79

[38]– – رمضان صديق : انهاء المنازعة الضريبية الناشئة عن تطبيق القوانين الضريبية و الاتفاقيات الدولية – دراسة مقارنة. م س ص 32

[39]– الجريدة الرسمية المصرية عدد 41 الصادرة بتاريخ 13/10/2000

[40]– صلاح حامد : جدوى التحكيم في فض المنازعات الضريبية. م س. ص 70

[41]-www.eurofast.eu/global/country-selector/russia/143-news-all/news-rusia/513-double-tax-treaty-between-russia-and-cyprus

[42]– رمضان صديق : إنهاء المنازعة الضريبية الناشئة عن تطبيق القوانين الضريبية و الاتفاقيات الدولية – دراسة مقارنة. م. س. ص 111

[43]– United Kingdom and Russia double taxation convention signed 15 february 1994 entered into force 18 april 1997 ( art 25 ) 

[44]– United Kingdom And south africa double taxation convention signed 4 july 2002 (art 26)

[45]– منشورة في الجريدة الرسمية المصرية العدد الخامس بتاريخ 1 فبراير 2001

[46]– منشورة في الجريدة الرسمية المصرية العدد 24 بتاريخ 14 يونيو 1990

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!