Revue ADALA

عدالة

مجلة دورية

المسؤولية الجنائية لشخص المعنوي بين الجدل الفقهي والتشريعي دراسة مقارنة (المؤسسة البنكية نموذجا)

الدكتور عبد الكريم المصباحي

أستاذ بكلية الحقوق  جامعة ابن زهر – أكادير –

على خلاف الاتفاق على جواز مساءلة الأشخاص المعنوية من الناحية المدنية سواء على أساس المسؤولية المباشرة أو في غير المباشرة، فإن هذا الأخير يتلاشى إذا تعلق الأمر بالميدان الجنائي، حيث عرفت هذه المسؤولية أخذا وردا في أوساط الفقه المقارن، بين من ينكرها ويرفض قيامها، وبين من يقرها ويعترف بها شأنها شأن المسؤولية المدنية، ولكل فريق منهم حجج يستند عليها لتأييد قوله (المبحث الأول) هذا يدفعنا إلى التساؤل عن الكيفية التي تعاملت بها التشريعات في ظل هذا التضارب الفقهي، لإقرار المسؤولية الجنائية للأبناك باعتبارها أشخاصا معنوية من عدمه (المبحث الثاني).

المبحث الأول: الجدل الفقهي حول مسؤولية البنك الجنائية.

إذا كانت المسؤولية المدنية للبنك كشخص معنوي ليست محلا للإنكار أو لرفض من جانب الفقه، فإنه بالنسبة للمسؤولية الجنائية قد انقسم الفقه إلى مذهبين أولهما ينكر على البنك صلاحيته لأن يكون شخصا في نظر العقوبات وبالتالي تحمله المسؤولية الجنائية وثانيهما يقول بإقرار المسؤولية الجنائية للبنك عن أعماله.

المطلب الأول: الاتجاه القائل بعدم ثبوت المسؤولية الجنائية للبنك

ظهر هذا الاتجاه إبان القرن التاسع عشر، واستمر إلى غاية الثلث الأول من القرن العشرين[1]، رفض أنصاره مساءلة الشخص المعنوي جنائيا عن الجرائم التي ترتكب باسمه ولحساب ممثليه أثناء قيامهم بأعمالهم، ويرون أن الذي يعاقب هو ممثله القانوني ويستندون في ذلك إلى الحجج التالية:

1 – إن طبيعة الشخص المعنوي تجعل من المستحيل إسناد الجريمة إليه وتقوم هذه الحجة على أساس أن هذا الشخص يعتبر مجرد افتراض قانوني من صنع المشرع، اقتضته الضرورة من أجل تحقيق مصالح معينة، وأن القانون الجنائي يقوم على الحقيقة، وأن عناصر المسؤولية الجنائية هي العقل والتمييز والإرادة، وهي لا تتوفر إلا لدى الشخص الطبيعي[2]، وبالتالي فإن الشخص المعنوي ضرب من العدم، وبالتالي لا يستطيع القيام بالفعل المكون للركن المادي للجريمة[3].

2 – إن قاعدة تخصص الشخص المعنوي تحول دون الاعتراف بإمكان ارتكابه الجريمة مؤداها أن المشرع لا يعترف بالوجود القانوني له إلا بقصد تحقيق غرض اجتماعي معين، وفي حدود هذا الغرض ولا يدخل ارتكاب الجريمة بطبيعة الحال ضمن الأغراض التي تهدف الأشخاص المعنوية إلى تحقيقها، ويترتب على ذلك أنه إذا تجاوز الشخص المعنوي حدود الغرض الذي أنشأ من أجله وارتكب جريمة لم يعد له وجود من الناحية القانونية، وبالتالي لا يمكن أن تنسب إليه الجريمة[4].

3 -تعارض المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي مع شخصية العقوبة، وتقول هذه الحجة بأن توقيع العقوبة على الشخص المعنوي سيجعلها تصيب جميع الأشخاص الطبيعيين المكونين له والعاملين لديه، رغم أنه يوجد من بينهم الخائن والأمين، المذنب والبريء على حد سواء، ويوجد من بينهم الذين لم يساهموا في ارتكاب الجريمة أي أن العقوبة ستمتد إلى جميع هؤلاء دون تفرقة بين من اتجهت إرادته إلى ارتكاب الجريمة ومن لم يردها، مما يعني أن بعض أعضاء الشخص المعنوي يسألون جنائيا عن أفعال غيرهم[5].

4 -إن أغلب العقوبات غير قابلة للتطبيق على الشخص المعنوي فالنصوص الجنائية تتضمن عقوبات كالإعدام أو العقوبات السالبة للحرية التي لا يمكن تطبيقها على الشخص المعنوي[6]، وبالنسبة للعقوبات المالية التي يمكن أن توقع عليه كالغرامة فإن تنفيذها أحيانا تعترضه بعض الصعوبات، حيث يقرر المشرع في حالة عدم دفع الغرامة اختيارا جواز تطبيق الإكراه البدني على المحكوم عليه، وهذا الإجراء لا يمكن اتخاذه ضد الشخص المعنوي.

5 -إن معاقبة الشخص المعنوي لا تحقق الأغراض المستهدفة من العقوبة وتعني إصلاح المحكوم عليه وتأهيله اجتماعيا إلى جانب أنها لا تكفل تحقيق دورها في الردع العام، وإذا قيل أن حل الشخص المعنوي يمكن أن يحقق الردع، فعلى العكس من ذلك فإن هذه العقوبة ستكون ضارة بالعاملين لديه إذ ستعرضهم للبطالة وما يترتب عنها من أزمات اجتماعية[7].

بصفة عامة يمكن القول إن حجج هذا الاتجاه ومبرراته التي ينفي بها إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي تحترم من وجهة نظر مجردة، إلا أن الواقع العملي وتزايد عدد الأشخاص المعنوية، و تعاظم أوجه تداخلها في حياة المواطنين اليومية دفعت باتجاه يتزايد أنصاره يوما بعد يوم لإقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي.

أما بالنسبة للتشريع المصري فإن الفكرة السائدة فقها وقضاء هي أن الأشخاص الاعتبارية لا تسأل جنائيا عما يقع عن ممثليها من الجرائم أثناء قيامهم بأعمالهم ولو كان ذلك لحسابهم[8].

المطلب الثاني: الاتجاه الداعي إلى المطالبة بتقرير المسؤولية الجنائية للمؤسسة البنكية

يتجه الفقه الحديث في معظم بلاد العالم إلى المطالبة بتقرير المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، فقد انتشرت الشركات والجمعيات والمؤسسات المعترف لها بالشخصية الاعتبارية واتسعت دائرة نشاطها وعظم خطرها وأصبح من اللازم إخضاعها لأحكام قانون العقوبات أسوة بالأشخاص الطبيعيين[9].

أما الحجج التي استدل بها أنصار عدم المسؤولية الجنائية فلا تقوم على أساس ويرد عليها بما يلي:

1 – ليس صحيحا القول بأن الأخذ بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي يتعارض مع مبدأ شخصية العقوبة، لأن الآثار الضارة التي تمتد إلى أعضاء الشخص المعنوي لم يساهموا في ارتكاب الجريمة نتيجة توقيع العقوبة عليه هي آثار غير مباشرة وبحكم الضرورة ولا شك أن في ذلك مصلحة مرجوة وأن هؤلاء الأشخاص سيعملون قدر إمكانهم على إلزام القائمين بأمر الشخص المعنوي على سلوك أحسن السبل، تفاديا لما قد يصيبهم في المستقبل من أثر العقوبة[10]، ومع ذلك فإن هذه الآثار يمكن أن تحقق أيضا في حالة توقيع العقوبة على الشخص الطبيعي، فالفرد الذي يحكم عليه بعقوبة سالبة للحرية أو عقوبة مالية تمتد أثارها غير المباشرة إلى أفراد أسرته.

وللقول بالإخلال بمبدأ شخصية العقوبة يفترض أن توقع العقوبة على شخص لم يرتكب الجريمة سواء بوصفه فاعلا لها أو شريكا فيها، أما إذا وضعت العقوبة على المسؤول عن الجريمة وامتدت أثارها بطريق غير مباشر إلى أشخاص يرتبطون به فلا يعتبر ذلك مخالف لهذا المبدأ.

2 -القول بأن الشخص المعنوي مجرد افتراض قانوني ليس له إرادة مستقلة قول مردود، على اعتبار أن نظرية الافتراض تجاوزها الفقه والقضاء في القانون المدني منذ زمن بعيد، وتبنى نظرية الحقيقة ولما كان القانون المدني يعترف بالمسؤولية التعاقدية والتقصيرية للشخص المعنوي وجوهر المسؤولية في الحالتين هو الإدراك، فمن التناقض القول بأن الشخص المعنوي لا إرادة له في مجال القانون الجنائي، ولذلك يرى الفقه الحديث أن الشخص المعنوي حقيقة قانونية، أصبح يشكل حقيقة إجرامية، ذو إرادة جماعية مستقلة عن الإرادة الفردية لكل عضو من أعضائه يعبر عنها ممثلوه أو أجهزته الخاصة وتتجسد بالاجتماعات والمداولات والتصويت في مجلس الإدارة،[11] فالشخص المعنوي له كيان وذمة مالية مستقلة ومصالح ذاتية خاصة به بدليل أن الأنشطة التي يقوم بها تكون لحسابه وباسمه، وتناقض أحيانا مصالح أعضائه[12].

3- أما القول باستحالة تطبيق معظم العقوبات على الشخص المعنوي كالإعدام والعقوبات السالبة للحرية، فهذا الادعاء مردود عليه بأنه توجد مجموعة من العقوبات والتدابير التي يمكن اتخاذها ضد الشخص المعنوي كالعقوبات المالية الغرامة والمصادرة، والجزاءات الجنائية التي تحد من نشاطه، مثل حرمانه من ممارسة نشاط معين أو حظر مزاولة النشاط لمدة معينة ويمكن أيضا حل الشخص المعنوي، أو توقع عليه عقوبة تمس بسمعته التجارية وتؤثر عليها، وهي نشر الحكم الصادر عليه بالإدانة[13] ولا تخفى طبعا أهمية هذه العقوبات في الردع وتحقيق العدل.

4 – إن القول بأن وجود البنك كشخص معنوي محدد بالغرض الذي يستهدفه غير سديد[14]، ذلك أن منطق هذا القول يؤدي بدوره إلى عدم إمكانية مساءلة البنك عن تعويض الأضرار التي يتسبب في إحداثها لأنه لم يخلق لذلك طبقا لقانون إنشائه لكن ليس ثمة  ما يحول دون مساءلة البنك عن أعماله التي تشكل خطأ جنائيا، ولاشك أن توقيع العقوبة على البنك كشخص معنوي من شأنه أن يجعل القائمين بالأمر فيه، أكثر حرصا ومحافظة على تنفيذ القوانين بل إن اقتراف الجريمة من قبيل القائمين بأعمال المؤسسة البنكية يعتبر ظرفا مشددا للعقوبة[15].

5 -إن قاعدة تخصص الشخص المعنوي تحول دون الاعتراف بإمكان ارتكاب الجريمة قول غير صحيح اد أن هدا المنطق يؤدي بدوره إلى عدم إمكانية مساءلة مبدئيا أيضا عن تعويض الأضرار التي تسبب في إصداره، بحجة أنه لم يؤسس لذلك الغرض طبقا لقانون إنشائه، وهدا لم يقبل به أحد، أما مبدأ التخصص فلا علاقة له بالوجود القانوني لشخص المعنوي ولا بقدرته على ارتكاب الجريمة، وإنما تنحصر مهمته في تحديد النشاط المصرح لشخص المعنوي القيام به، بحيث أنه إذا تجاوز حدود اختصاصه ضل له وجود ولكن نشاطه غير مقبول.

6 – القول بأن معاقبة الشخص المعنوي لا تحقق الأغراض المستهدفة من العقوبة، يرد عليه بأن وظائف العقوبة لا تنحصر فقط في الإصلاح والتأهيل، وإنما تمتد كذلك إلى تحقيق الردع أو الوقاية أو المنع، وهذه الأغراض يمكن أن تحقق بالنسبة للشخص المعنوي، وبالمقابل فإن الكثير من الأشخاص الطبيعيين لم تحقق العقوبات التي طبقت عليهم وظائفها وأغراضها مثل معتادي الإجرام[16]، وهؤلاء لم يقل أحد بعدم جدوى توقيع العقوبة الجنائية عليهم.

كما أن القول بأن الجريمة تخرج عن الغاية التي تخصص لها الشخص المعنوي يصدق بدوره على الفرد العادي، لأن الغاية من حياته ليست ارتكاب الجرائم[17].

المبحث الثاني: موقف التشريع من المسؤولية الجنائية للمؤسسات البنكية

إن إقرار المسؤولية الجنائية للبنك كشخص معنوي عن الجرائم الاقتصادية التي تقع داخله ترتبط ارتباطا وثيقا بالطريق الذي تنتهجه الدولة في تنفيذها للقانون وتطبيقه، ولذلك سنحيط بمسؤولية البنك كشخص معنوي في التشريع المغربي (المطلب الأول). لنعرج بعدها للحديث عن المسؤولية الجنائية للأبناك في التشريعات المقارنة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: موقف التشريع المغربي

ينص الفصل 127 من القانون الجنائي المغربي على ما يلي:

” لا يمكن أن يحكم على الأشخاص المعنوية إلا بالعقوبات المالية والعقوبات الإضافية الواردة في الأرقام 5 و 6 و 7 من الفصل 36 من القانون الجنائي”.

ويجوز أيضا أن يحكم عليها بالتدابير الوقائية العينية الواردة في الفصل 62 وهكذا فإن المشرع المغربي قرر مسؤولية الشخص المعنوي بنص صريح فسد باب النقاش حول هذا الموضوع، والقضاء قديما كان مترددا في المسألة وعائقه في ذلك شخصية العقوبة لكن القضاء العصري رجع إلى تبني الحكم على الشخصيات المعنوية، والقانون الجنائي المغربي[18]، سوى صراحة بين الأشخاص المعنويين والأشخاص الذاتيين فيما يخص إمكانية ارتكاب الجرائم ودراسته طبيعة الجريمة[19] تسمح بالتمييز بين الجرائم التي يمكن أن يتابع على أساسها شخص معنوي وتلك التي لا تقبل طبيعتها ذلك.

و الفصل 127 المشار إليه أنفا يفيد أنه لا يمكن الحكم على الأشخاص المعنوية إلا بما يلي ” العقوبات المالية أي الغرامة”.

العقوبات الإضافية المشار إليها في الأرقام 5 و 6 و 7 من الفصل 36 وهي التالية:

  • المصادرة الجزئية للأشياء المملوكة للمحكوم عليه بصرف النظر عن المصادرة المقررة كتدبير وقائي في الفصل 89.
  • حل الشخص المعنوي.
  • نشر الحكم الصادر بالإدانة ضمن الشروط المذكورة في الفصل 48.
  • التدابير الوقائية العينية المذكورة في الفصل 62 وهي :
  • ü       مصادرة الأشياء التي لها علاقة بالجريمة أو الأشياء الضارة أو الخطيرة.
  • الإغلاق النهائي[20] أو المؤقت للمؤسسة التجارية والصناعية وهو المنصوص عليه في الفصل 90.

وحسب الفصل 127 المذكور آنفا فإن العقوبات المالية وحدها كعقوبة أصلية غير واردة كعقوبة مخصصة للجنايات لذلك فهل جميع الجرائم المرتكبة من طرف الشخص المعنوي تصبح كلها جنح أو مخالفات حسب الفصل 127 المشار إليه أعلاه فهل ينعقد الاختصاص للمحاكم الابتدائية بصفة دائمة ؟  نبادر بالقول أن إعفاء الشخص المعنوي من العقوبات السالبة للحرية والحكم عليه بالغرامة فقط لا يؤثر أيضا على اختصاص المحكمة، إذ أن الفصل 111 من القانون الجنائي يحدد نوع الجريمة بموضوعية وبكيفية لا تدخل في اعتبار الشخص الذي ارتكبها، وهكذا فعندما يرتكب الشخص المعنوي جناية يحال على غرفة الجنايات لتصدر عليه العقوبات المقررة لتلك الجنايات في الفصل 127 المذكور آنفا.

وجاء في كتاب القانون الجنائي[21] في شروح أنه يتعين في بعض الأحوال إحالة الأشخاص المعنوية على غرفة الجنايات ( مثلا في حالة استعمال دمغات مزيفة أو مزورة وهي الجريمة المنصوص عليها في الفصل 343 من القانون الجنائي من أجل أن يحكم عليها بتدبير وقائي عيني أو بعقوبات إضافية….).

كما تتجسد مسؤولية البنك كشخص معنوي في القانون المغربي في أكمل صورها في الفصل 357 من القانون الجنائي الذي جاء فيه ( إن من ارتكب بإحدى الوسائل المشار إليها في الفصل 357 تزويرا في محرر تجاري أو بنكي أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين وخمسين إلى عشرين ألف درهم… ويجوز أن تصل العقوبة إلى ضعف الحد الأقصى المشار إليه أعلاه في الفقرة الأولى إذا كان مرتكب الجريمة صاحب مصرف أو مدير شركة[22]…. ).                                                           

فهذا التشديد في العقاب مرجعه المساحة الواسعة التي تشغلها الأعمال البنكية والتي تجر إليها شرائح اجتماعية متعددة، وقد زكى القضاء[23] وجهة النظر هذه عندما صنف مستخدمي الأبناك في عداد الموظفين العموميين ليطالهم أقسى العقاب.

إذن من خلال ما سبق يتبين لنا أن المشرع المغربي يقر مسؤولية البنك الجنائية، إذا ارتكب هذا الأخير أعمالا معاقب عليها في القانون الجنائي العام، أو في قوانين خاصة كالقانون البنكي ومدونة التجارة.

فبخصوص مسؤولية البنك طبقا لنصوص القانون الجنائي المغربي فإنه يمكن مساءلته من أجل ما قد يرتكبه في حق زبنائه من أعمال مجرمة كالنصب وخيانة الأمانة وإفشاء السر المهني[24].

وبالنسبة للنصوص الخاصة، يمكن الرجوع إلى مدونة التجارة حيث نجد مسؤولية البنك تثار بشأن الأفعال الخاصة بالشيك الواردة في المواد من 319  إلى 322 ثم هناك قانون مؤسسات الائتمان لسنة 1993 و 2006 [25]، الذي جاء كل منهما بعدة نصوص تعاقب البنك جنائيا.

مقارنة بما كان عليه الحال في قانون مؤسسات الائتمان لسنة 1967، إذ أن كلا القانونين مددا العقوبة من المسيرين إلى المؤسسة البنكية نخص بالذكر المادة 82 من قانون البنكي لسنة 1993 أو المادة 137 من قانون 2006 مع تشديد العقوبات المالية خاصة في حالة العود أو في حالة ما إذا تعلق الأمر بمؤسسة ائتمان، كما تم طرح جرائم جديدة في المواد 84-85-88-89 من قانون 1993، وتقابلها المواد 141-142-143-144 من قانون مؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها لسنة 2006[26]، و التي هي أيضا عوضتها المواد 182-183-184 من قانون 12_103 الصادر سنة 2014 والمتعلق بمؤسسات الأتمان والمهيآت المعتبرة في حكمها.

وما يميز الكثير من القوانين الصادرة حديثا أنها أصبحت تتضمن مقتضيات جنائية تهم الشخص المعنوي[27] كالقانون البنكي، حيث نجد المشرع نص صراحة في المادة 137 من القانون البنكي لسنة 2006 على أنه ” يجوز للمحكمة في الحالات المنصوص عليها في المادتين 135 و136 أعلاه، أن تأمر بإغلاق المؤسسة البنكية المرتكبة فيها المخالفة وبنشر الحكم في الجرائد التي تعينها على نفقة المحكوم عليه، وبهذا يكون المشرع قد نص صراحة على المسؤولية الجنائية للأبناك.

المطلب الثاني: موقف التشريعات المقارنة

بخصوص المشرع الفرنسي فقد نصت المادة 2-131 من قانون العقوبات الفرنسي[28] على مبدأ المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية باستثناء الدولة، كما استبعدت من هذه المسؤولية المحليات والجهات التابعة لها إلا في الحالات التي ترتكب فيها الجريمة أثناء مباشرتها لنشاط من تلك الأنشطة التي تخضع لاتفاقيات أو تفويض الخدمة العامة، كما أشار المشرع الفرنسي في هذه المادة إلى مساءلة البنك باعتباره شخصا معنويا جنائيا لا تحول دون مساءلة الأشخاص الذاتيين الذين ارتكبوا هذه الأفعال[29].

وقد فسر بعض الفقه[30] موقف المشرع الفرنسي من تقريره للمسؤولية الجنائية للبنك باعتباره شخص معنوي إلى اعتبارين أساسيين:

* اعتبار أدبي يقوم على رفض إلقاء المسؤولية الجنائية عن الجريمة المرتكبة على عاتق أفراد لا يعلمون عنها شيئا على الرغم من أن الشخص المعنوي ذاته يقف وراء ارتكابها، ومن ثم يجب في الحالات التي يكون فيها الأشخاص الذاتيين فاعلين أو الشركاء، أن تلقى المسؤولية كاملة على عاتق الشخص المعنوي فقط.

* اعتبار قانوني يذهب إلى أن البنك باعتباره شخص معنوي يمثل حقيقة قانونية، وأنه موجود في التشريعات الاجتماعية، وهذا يعني أن نفي المسؤولية الجنائية عن البنك يعد منافيا للعدالة ويتعارض مع مبدأ المسؤولية.

 فالقضاء الفرنسي ذهب أيضا في معظم أحكامه إلى اعتبار البنك شخص معنوي مسؤولا جنائيا إلى جانب الأشخاص الطبيعيين.

أما بخصوص التشريع الإنجليزي أصبحت مساءلة الأشخاص المعنوية ومنها البنوك أمرا ضروريا عن أية جريمة، وذلك فيما عدا بعض الجرائم التي لا يمكن تصور وقوعها منه كجريمة القتل وهتك العرض[31].

وإلى جانب كل من القانون الفرنسي والقانون الإنجليزي كنموذجين للدول الرأسمالية التي تأخذ بالمسؤولية الجنائية للأبناك، هناك أيضا القانون الهولاندي[32] الذي يأخذ بمسؤولية الأبناك بموجب قانون 22 يونيو 1950، والقانون السويسري[33] الصادر في 15 أكتوبر 1944، والقانون البلجيكي[34] الصادر في 28 مايو 1960.

أما فيما يخص التشريعات العربية فالمشرع المصري قد أخذ بالمسؤولية الجنائية غير المباشرة للبنك كشخص المعنوي، وذلك بالنص على المسؤولية التضامنية لهذا الأخير مع الشخص الذاتي في تنفيذ الجزاءات التي يحكم بها من غرامة ومصاريف ومصادرة، أو الغرامة الإضافية في حالة تعذر ضبط المصادرة، وكذلك التعويضات التي يحكم بها.

 بمعنى أن المشرع لم يجز رفع الدعوى الجنائية على البنك كشخص معنوي مباشرة، كما قرر المشرع المصري لهذا الأخير جزاءات جنائية توضع عليه بخلاف مسؤوليته التضامنية مع الشخص الطبيعي عن العقوبات المالية والتعويضات، وقد تعرض موقف المشرع المصري للعديد من الانتقادات، لكون أنه لم يأخذ بالمنهج الذي أقرته الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية الحديثة في تقريرها للمسؤولية المباشرة للشخص المعنوي وتحديد الجزاءات الموقعة عليه [35] التي تكون متفقة وطبيعته.

لكن هذا المنع من تقرير مسؤولية البنك جنائيا بدأ يتلاشى بصدور قانون العقوبات الاقتصادي المصري والذي أجاز قيام هذه المسؤولية في حالتين:

الأولى : وهي مسؤولية جنائية مباشرة وفق نص المادة 104 من قانون المصري رقم 26 لسنة 1954 بشأن الشركات والتي تقضي مع عدم الإخلال بالعقوبات الأشد المنصوص عليها من القوانين الأخرى، “يعاقب بغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تجاوز خمسمائة جنيه كل شركة تخالف الأحكام المقررة ” وعند إصدار قانون شركات المساهمة والتوصية بالأسهم رقم 159 لسنة 1981، فقد ألغى تماما المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية وحمل هذه المسؤولية للأشخاص الطبيعيين والقائمين على الشركة، وصارت الشركات غير مسؤولة جنائيا.

إلا أنه بصدور القانون المصري رقم 281 لسنة 1994 لقمع التدليس والغش التجاري، نصا في المادة 6 مكرر على أنه ” دون إخلال بمسؤولية الشخص الطبيعي المنصوص عليها في القانون، يسأل الشخص المعنوي جنائيا عن الجرائم المنصوص عليها في القانون إذا وقعت لحسابه وباسمه أو بواسطة أحد أجهزته أو ممثليه أو أحد العاملين به، وبحكم على الشخص المعنوي بغرامة تعادل الغرامة المعاقب عليها عن الجريمة التي وقعت، ويجوز للمحكمة أن تقضي بوقف نشاط الشخص المعنوي المتعلق بالجريمة  لمدة تزيد على السنة، وفي حالة العود يجوز الحكم يوقف النشاط لمدة لا تزيد على خمس سنوات أو بإلغاء الترخيص من مزاولة النشاط نهائيا”.

أما المشرع الجزائري[36] فقد حدا حذو المشرع المصري لم يضع قاعدة عامة للمسؤولية الجنائية للبنك، وإنما سن بعض الأحكام في حالات استثنائية التي تجيز توقيع عقوبات جنائية، كما أجاز اتخاذ تدابير الأمن ضد البنك بشرط وجود نص يجرم الأفعال التي يرتكبها البنك، والذي وضع لها جزاء تدابير الأمن.

ومن ثم يمكن القول أن كل من القانون المصري والقانون الجزائري تطرق إلى المسؤولية الجنائية للأبناك بطريقة محتشمة، وغير مفصلة أو لم  يحسم بعد في تقرير هذه المسؤولية بنصوص صريحة رغم الدور المهم الذي أصبح يحظى به البنك في مجال الأعمال والاقتصاد وإن كان قد آن الأوان ليقر كل منهما بمسؤولية الأبناك أسوة بالتشريعات المقارنة.

وحسب المادة 209 من قانون العقوبات السوري، فإن المؤسسات الاعتبارية ومن بينها البنك تسأل جنائيا عن أعمال مديرها وأعضاء إدارتها وممثليها وعمالها عندما يأتون أعمالا باسم هذه المؤسسات أو بإحدى وسائلها، ولا يمكن الحكم على هذه المؤسسات إلا بالغرامة والمصادرة ونشر الحكم[37].

ومن ثم يمكن القول أن كل من القانون المغربي والقانون السوري نصا صراحة على مسؤولية الأبناك الجنائية وهي مسؤولية تأخذ شكل الغرامة والمصادرة، وغلق المؤسسة بالنسبة للبنك، وشكل عقوبات حبسية وغرامة أو هما معا بالنسبة لموظفي أو مستخدمي البنك.

خاتمة:

انطلاقا مما ذكر حول موقف كل من الفقه والقانون بشأن المسؤولية الجنائية عن أعمال البنوك اتجاه المستهلك، يمكن القول أن الرأي الذي أخذ بهذه المسؤولية هو الأجدر بالتأييد، مادام أن المؤسسات البنكية تستمد شخصيتها من القانون وتكتسب الحقوق وتلتزم بالواجبات وتتمكن من أداء وظيفتها داخل المجتمع، وبالتالي إمكانية إقرار مسؤوليتها من الناحية الجنائية.

من خلال ما سبق بسطه يمكن الخروج بالخلاصات التالية:

  • لابد من إعادة التأكيد على ضرورة تنظيم المسؤولية الجنائية لطبيعة المهنة البنكية من جهة، وخطورة الأعمال البنكية إذ إما سيئة تطبيق المقتضيات المنظمة لها من جهة أخرى.
  • ضرورة التنصيص على المسؤولية الجنائية للمؤسسة البنكية ضمن القانون الجنائي للشركات التجارية، فالنص المرجعي المتمثل في الفصل 127 من القانون الجنائي، لا يتلاءم وخصوصية البنك كشخص معنوي خاص. كما يجب تدعيم هذا التنصيص بمقتضيات مسطرية وإجرائية توضح أكثر كيفية التعامل مع الشخص المعنوي من انطلاق المتابعة إلى صدور الحكم.
  • التنصيص صراحة على مسؤولية الأشخاص المعنوية في قانون شركات المساهمة، لأن من شأن ذلك أن يقلل من الجرائم مسيرها والشركاء فيها، خوفا من أن تمس مراكزهم إذا تعرضت الشركة للمساءلة الجنائية.
  • التحقيق من حماية المساهمين والشركاء الذين لا يشاركون في تسيير الشركة ومساءلتهم في حالة ارتكابهم أفعال مجرمة أو مشاركتهم فيها.

[1]– محمود سليمان موسى: المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي في القانونين الليبي والأجنبي، دراسة تفصيلية مقارنة الدار الجماهرية للنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى 1985، ص 148.

[2]– شريف سيد كامل: المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، دراسة مقارنة دار النهضة العربية، الطبعة الأولى 1997 ص: 13.

[3]– إبراهيم علي صالح: المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، دار المعارف طبعة 1980، ص: 102.

[4]– محمود عثمان الهمشري: المسؤولية الجنائية عن فعل الغير، مطبعة دار الفكر العربي، الطبعة الأولى ، 1969

    ص 398.

[5]– شريف سيد كامل.م.س، ص 15.

[6]– أحمد الخمليشي: شرح القانون الجنائي العام، القسم العام، دار النشر العربية، ص 251.

[7]– شريف سيد كامل، م.س، ص 16.

[8]–  ادوارد غالي الذهبي “دراسات في قانون العقوبات المقارن”، مكتبة غريب دون ذكر تاريخ الطبع ص 9.

[9]– جندي عبد المالك: الموسوعة الجنائية، المجلد الثالث، الطبعة الأولى دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان،

     ص 10 و 11.

[10]– محمود نجيب حسني : شرح قانون العقوبات، القسم العام، الطبعة السادسة، 1989، ص 517.

[11]– شريف سيد كامل: م.س.ص 22- 23.

[12]– إبراهيم علي صالح: م.س. ص110.

[13]– أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، طبعة، 1996، بدون مطبعة، ص 481.

[14]– صالح علي إبراهيم، م.س.ص 124- 125.

[15]– غادة عماد الشربيني: المسؤولية الجنائية عن الأعمال البنكية ” دراسة مقارنة، دار أبو المجد ”  للطباعة بالهرم 1999- 2000، ص 94.

[16]– محمود عثمان الهمشري:” المسؤولية الجنائية عن فعل الغير” مطبعة دار الفكر العربي الطبعة الأولى 1969

   ص 398 و 410

[17]– أحمد بن عجيبة: “المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي في القانون الجنائي المغربي”، المجلة القانونية للمحكمة الابتدائية بمكناس، العدد المزدوج الثاني والثالث السنة 2009، ص 34.

[18]– القانون الجنائي في شروح المعهد الوطني للدراسات القضائية، الطبعة الثانية 1997 ص 144.

[19]– جواد الغماري: جرائم ” الغش في البضائع “، الطبعة الأولى 1988، ص 59.

[20]– إنه من المصلحة العامة أن يتمكن القضاء من إصدار حكمه بحل المؤسسة وتصفيتها ومصادرة ممتلكات عندما تأتي من المخالفات والأفعال الضارة ما يجعل استمرارها خطر على البلاد.

[21]– القانون الجنائي في شروح الطبعة الثانية، ص 148 و 149.

[22]– الفصل 357  ” من القانون الجنائي المغربي ” جريدة رسمية عدد 2640 مكرر، بتاريخ 12 محرم 1383. 5 يونيو 1963، ص 1253.

[23]– حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بمكناس عدد 6/95/3 غ صادر بتاريخ 9/2/95 منشور بالمجلة المغربية للإدارة والتنمية، عدد 13 سنة 2001 ص143.

[24]– انظر الفصول: 446 و 540 و 547 من القانون الجنائي المغربي.

[25]– المحين بقانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان الهيئات المعتبرة في حكمها الصادر بتاريخ ديسمبر 2014، ظهير شريف رقم 1.14.193 جريدة رسمية عدد 6328 بتاريخ 22 يناير 2015 ص 462.

[26]– عائشة الشرقاوي اعمالقي: ” الوجيز في القانون البنكي المغربي ” دار أبي رقراق للطباعة والنشر الطبعة الثانية 2007. ص 149- 150.

[27]– محمد الملباني: أية قواعد لضمان محاكمة عادلة للشخص المعنوي، مقال منشور بمجلة المحامي، العدد 48. ص 197.

[28]– المعدل بقانون رقم 526- 2009 بتاريخ 12 ماي 2009.

[29]– دليلة مباركي: ” غسيل الأموال “، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، تخصص قانون جنائي، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة لخضر بباتتة  السنة الجامعية 2007- 2008 ص: 72.

[30]– عمر سالم: ” المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية “، دار النهضة العربية القاهرة، الطبعة الأولى، 1995.ص 13.

[31]– غادة عماد الشربيني: م.س.ص 124.

[32]– محمود مصطفى: ” الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن “، ج 2. في جرائم الصرف، طبعة 1996، دار مطابع الشعب ص. 124.

[33]– إبراهيم علي صالح، م.س.ص 67.

[34]– محمود مصطفى، م.س.ص 124.

[35]– محمد القادري: ” المسؤولية الجنائية للبنك عن عمليات غسل الأموال ” رسالة لنيل الماستر في قانون الأعمال جامعة الحسين الثاني كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء السنة الجامعية 2011-2012.ص55

[36]– محمود مصطفى: م.س. ص 140.

[37]– إبراهيم علي صالح: م.س.ص 91.

  – محمود مصطفى: م.س. ص 125.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!