Revue ADALA

عدالة

مجلة دورية

تقلص الفوارق بين المساهم والدائن في شركات المساهمة.

محمد الحاجي

باحث في قانون الأعمال والمقاولات

عضو نادي قضاة المغرب بالمحكمة الابتدائية بالعرائش

تمهيد:

يعيش الاقتصاد في تحول وتطور دائمين يجعله في غالب الأحيان يسبق القانون، الذي يتدخل للحاق بمستجدات الواقع الاقتصادي وتنظيم تقلباته المتواثرة، [1] ومن هنا منشأ العلاقة الجدلية بين القانون والاقتصاد.

وفي هذا الصدد عرف مشهد القيم المنقولة في السنوات الأخيرة تحولات عميقة مست مختلف جوانبه الأساسية؛ بحيث عمل رواد الهندسة المالية على تنويع هذه المنتجات المالية وتعبئة الادخار اللازم للمقاولات من خلال  القيام بتركيبات لعناصر مختلفة مستقاة من القيم المنقولة الأم (الأسهم وسندات القرض).[2]

وقد أدى تعدد القيم المنقولة وتنوع أشكالها وخصوصا ظهور سندات مختلطة لاهي بأسهم ولا هي سندات قرض، إلى تطور مفهوم المساهم وتحريره من الإطار الضيق والمحدد الذي كان يصنف ضمنه؛ مما أدى إلى بروز إشكالية مدى تجانس مفهوم المساهم؛[3] بحيث أصبح التمييز بينه وبين الدائن السندي يتلاشى تدريجيا لدرجة أننا أصبحا نواجه حالات يصعب فيها التمييز بين المساهم مكري الأموال وبعض الفئات الجديدة من الدائنين السنديين (أولا) بل أصبحنا نلاحظ كذلك ظاهرة تحرك سندات القرض نحو الأسهم مما يجعل الدائن قريبا جدا من وضعية المساهم (ثانيا).

وتبعا لكل ذلك طرحت إشكالية الحدود الفاصلة بين المساهم والدائن وحدود تأثر المركزين بهذا التقارب، وهل وصلنا إلى حد إلغاء التمييز بين مفهوم المساهم ومفهوم الدائن؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى تقليص المسافة بينهما؟                                                            

أولا: اتجاه المساهم نحو فئة الدائنين

جاءت فكرة اتجاه المساهم نحو فئة الدائنين كنتيجة لظاهرة تحرك القيم المنقولة نحو بعضها البعض، بحيث أصبحنا نلاحظ مؤخرا اتجاه السهم نحو سندات القرض والدليل على ذلك ظهور أسهم مختلطة كالأسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت وشهادات الاستثمار.

وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن مظاهر تأثر المساهم بخصائص الدائن؟ وهل أدى ذلك فعلا إلى فقدان المساهم الكثير من خصائصه المميزة له وبدأ يتجه نحو خلية الدائنين؟

سنحاول الوقوف على هاذين التساؤلين عبر نقطتين أساسيتين تتمثل الأولى في ضعف ارتباط المساهم بالشركة(أ) وتتجلى الثانية في بحث المساهم عن المردودية المضمونة(ب).

  • : ضعف ارتباط المساهم بالشركة

لم تعد الظاهرة السلبية لبعض المساهمين أو من يطلق عليهم المساهمون الممولون  Bailleurs de fonds ، ترتبط بالسلوك الإهمالي الذي يترجم عبر ظاهرة تخلف وتقاعس المساهمين عن الحضور في الجمعيات العامة للشركة باعتبارها الهيئة العليا التي تتخذ القرارات الحاسمة المتعلقة بحياة الشركة، بل اتخذت منحى آخر على إثر إنشاء سندات جديدة لا تتوفر على حق المشاركة والتصويت.

وهذا الوضع يجعل الباحث يرتاب حول الحدود الفاصلة بين المساهم والدائن،  واللذين أصبحوا لا يختلفون كثيرا عن بعضهم البعض في ظل السندات الجديدة، فإلغاء حق التصويت يجعل أصحاب الأسهم التي لا تخول الحق في التصويت مجرد حاملي للسندات التوظيف  ( Titres de placement)[4] في اتجاه واضح نحو خلية المقرضين أو أصحاب سندات القرض.[5]

    ولا يتوفر هذا النوع من المساهمين على روح المشاركة في حياة الشركة، بحيث يظل الهاجس الأكبر لديهم هو المضاربة[6] من أجل الحصول على أحسن مردود؛ ذلك أن  عدم الشعور  بالانتماء إلى الشركة والبعد عن شؤون المراقبة والتسيير يجعل منه مجرد مستثمر يبحث عن التوظيف وجني الربح، مما ينتج عنه الاقتراب الواضح بين وضعية الدائن السندي ووضعية المساهم موظف الأموال مع فارق بسيط على مستوى طبيعة المردودية.[7]

علاوة على أن الإحساس بالانتماء إلا أقلية غير مؤثرة في تسيير شؤون الشركة في مقابل تركيز معظم السلطات في يد النواة الصلبة داخل الشركة، يجعل من حق التصويت مجرد أداة موافقة آلية على قرارات جاهزة مسبقا[8]، وبالتالي يفضل المساهم المستثمر التخلي عنه لعلمه مسبقا بعدم فعاليته.

 أضف إلى ذلك تراجع المفهوم التقليدي لشركة المساهمة والذي كان فيه للمساهم الدور المحوري والأساسي على مستوى التسيير والمراقبة نتيجة إحداث أجهزة مختصة بالتسيير والمراقبة، مما أدى إلى الاتجاه نحو انفصال الشركةوالتي أصبحت تعيش حياة شبه مستقلةعن المساهمين؛[9] فالفصل بين ملكية رأس المال والسلطة يختزل دور هؤلاء المساهمين في الشركة في مجرد التمويل المالي مما نتج عنه تقلص قوة نية المشاركة والتي تقتضي التعاون الفعال والإيجابي  بين المساهمين. وهذا الإحساس  بالانتماء إلى الشركة بدأ يتلاشى من خلال تخلي المساهمين عن المشاركة في الحياة الاجتماعية للشركة.

ويمنح السهم، على خلاف سندات القرض، لحامله الحق في المشاركة والتصويت، وفي غياب هذا الحق يتهدم ذلك الارتباط بين السهم والصوت، فتتقلص الفوارق بين الأسهم وسندات القرض مما ينعكس بالضرورة على مفهوم المساهم الذي أصبح ينظر إليه نظرة خاصة؛ ذلك أن إنشاء أسهم بدون حق التصويت أدى إلى إيجاد نوع من المساهمين يستفيدون من العديد من الحقوق اللصيقة بالسهم، ولكن ليس منها كلها مما يجعلهم في وضعية خاصة فلا هم بمساهمين ولا هم بدائنين[10].

فالأمر إذن يتعلق بسندات “مخصبة “[11] نتج عنها عدم تجانس مفهوم المساهم الذي بدأ يتجه أكثر نحو مفهوم الدائن، ويتضح هذا المعنى أكثر في تطلع المساهم للمردودية المضمونة.

  • : بحث المساهم عن مردودية مضمونة

إن التمييز بين المساهم والمقرض على أساس معياري الأمان أو المردودية الثابتة والمتغيرة لم يعد مطلقا، فإذا كان من المسلم به لوقت طويل أن مردودية المساهم تتميز بالتقلب وعدم الاستقرار فقد يجني أرباح خيالية إذا ارتفع سعر سهمه وقد لا يحصل على شيء وتنخفض أسهمه إلى درجة لا تساوي حتى قيمتها الإسمية،[12] فإن الأسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت قد شككت في هذا التصور، بحيث أن من أهم مميزات هذه الأسهم ليس فقط إلغاء حق التصويت وإنما هو تحديد نسبة معينة كحد أدنى في الأرباح لا يمكن النزول عنها.

وفي هذا الصدد نصت الفقرة الثانية من المادة 264 من القانون رقم 95 – 17 المتعلق بشركات المساهمة على أنه: ” لا يمكن أن يقل الربح ذو الأولوية سواء عن مبلغ الربح الأول محتبسا وفقا للنظام الأساسي ولا عن مبلغ يساوي نسبة  7.5% من المبلغ من رأس المال الذي تمثله الأسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت ولا يمكن أن تخول هذه الأسهم الحق في الربح الأول”.

ويظهر من خلال هذه المادة أن الأسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت تتميز بالتحديد المسبق لمردودية السهم من خلال جزء محدد سلفا في نسبة معينة والتي لا ينبغي أن تقل عن  7.5% من المبلغ المحدد من رأس المال التي تمثله هذه الأسهم، وجزء متغير حسب الأرباح أو حسب معايير اتفاقية يتم التنصيص عليها في النظام الأساسي.

ويؤدى هذا التحديد المسبق إلى التقريب بين وضعية المساهم حامل الأسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت، وبين وضعية الدائن السندي لاسيما بالنسبة لبعض سندات القرض التي أصبحت تمكن الدائن من الحصول على عائد يتغير مع تغير الأرباح التي تحققها الشركة.[13]

وبذلك تخرج الأسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت بمقتضى التحديد المسبق من طائفة السندات الاستثماريةالقائمة على فكرة المخاطرة والاحتمال وعدم استقرار  المردودية، لتدخل في دائرة السندات التوظيفية؛ بحيث يلاحظ اتجاه السهم نحو سندات القرض واقتراب حاملي هذه الأسهم من الدائنين السندين.[14]

وعموما يمكن القول بأن هذا التحديد المسبق قد خلف تحولا كبيرا في مفهوم المردودية المتغيرة والتي كانت معيارا للتمييز بين سندات رأس المال وسندات القرض.

وعلى أية حال يجب الاعتراف بأن هذا التصور يتماشى مع بواعث فئة عريضة من المدخرين والذين يرغبون دائما في تقليص هامش الخسارة المحتملة، والمشرع المغربي حاول استمالة هذه الفئة من خلال الأسهم ذات الأولوية  في الأرباح دون حق التصويت وإن كان لم يذهب إلى حد إقرار مفهوم الربيحة القارة[15] التي منعها بمقتضى الفقرة الأخيرة من المادة 331 من قانون رقم 95 – 17  المتعلق بشركات المساهمة التي جاء فيها أنه: “يمنع التنصيص على ربح محدد لفائدة المساهمين، ويعتبر كل شرط مخالف كأن لم يكن ما لم تمنح الدولة للأسهم ضمان ربح أدنى”.

وإذا كان التركيبة “الهجينة”[16] للأسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت لا تمنع من وصف حاملها بالمساهم، فإن جميع الحقوق الأخرى التي يتوفر عليها هذا الأخير تخوله هذه الصفة.

إلا أنه يلاحظ مع ذلك تداخل كبير بين مفهوم المساهم ومفهوم الدائن، وتأثير متبادل بينهما نتيجة توفر العديد من سندات القرض الجديدة على خصائص الأسهم.

ثانيا: اتجاه الدائن نحو خلية المساهمين

 لم تعد تقتصر ظاهرة تحرك القيم المنقولة نحو بعضها البعض على سندات رأس المال والتي رأينا  كيف بدأت تتجه نحو سندات القرض، بل شملت أيضا سندات القرض التي بدأت مؤخرا تتجه نحو فئة الأسهم بدليل حق التدخل الذي أصبحت تخوله سندات القرض للدائنين السندين (أ)، وبحضور عامل الارتباط بوضع الشركة علاوة على الوضعية الخاصة لحاملي سندات القرض القابلة للتحويل إلى أسهم، والتي أصبحت تعتبر قنطرة تصل بين عالم الدائنين وعالم المساهمين (ب).

  • : على مستوى حق التدخل            

ذهب الأستاذ أحمد شكري السباعي إلى أن الدائنين السندين “على خلاف المساهمين، لا يملكون الحقوق السياسية أو سلطة اتخاذ القرارات، فلا يمكن لهم المشاركة الفردية في جمعيات المساهمين ولا مناقشة القرارات أو التصويت عليها، أو التدخل في شؤون الشركة{…} إذ يسوغ، عملا بالمادة  304 و 311 لممثلي الكتلة وحدهم المشاركة في الجمعية العامة للمساهمين، ولكن دون أن يكون لهم صوت في المداولات ولهؤلاء الممثلين وحدهم الحق في الاطلاع على الوثائق{…}، على أن يخضع كل قرار يمس حقوق حاملي سندات القرض لموافقة الجمعية الخاصة لحاملي هذه السندات…”[17]

والظاهر أن هذا الرأي صائب على اعتبار أن الدائن  السندي لا يتمتع بصفته الفردية وخارج الصور الجماعية بأي حق رقابة أو تدخل في عمليات الشركة.

 غير أنه إذا كان هذا التصور يدل على ضيق هامش التدخل الذي يمارسه الدائن السندي بصفته فردية، فإنه بالمقابل يتمتع بهذا الحق بصفته عضو في الكتلة.

 وهنا يثار التساؤل عن الفرق بين ممارسة هذه الحقوق بصفة فردية أو ممارستها بصفة جماعية؟

فالأمر لا يعدو أن يكون سوى إجراء تنظيمي وهو لا يختلف عن الإجراءات التي سنها المشرع بالنسبة للأسهم المشاعة أو بالنسبة للمساهمين غير المتوفرين على العدد الكافي من الأسهم لحضور الجمعيات العامة،[18] وتبعا لذلك فحاملو هذه السندات يتمتعون بهامش مهم من حق التدخل في حياة الشركة يجعلهم يقتربون من مفهوم المساهم.

وفي نفس الاتجاه يتجلى بوضوح أن محتوى الحق في التدخل، الذي استعمله Viandier (A) كمعيار لتعريف الشريك؛ وهو الحق في المراقبة في الإعلام،[19] موجود لدى حاملي سندات القرض عبر ممثل الكتلة، وفي هذا المعنى نصت المادة 311 من قانون رقم 95 -17 على ما يلي:” … غير أنه يمكنهم مطالبة الشركة بإمدادهم وباستمرار بالمعلومات التي يحتاجون إليها بصفتهم حاملي سندات القرض”. فمنطوق هذه المادة يبين أن الدائن السندي يتدخل في حياة الشركة من خلال الحق في الإعلام والاطلاع على الوثائق عبر ممثل الكتلة.

ويتأكد هذا المعنى أكثر من خلال المادة 304 من نفس القانون والتي جاء فيها: “لا يمكن لممثلي الكتلة التدخل في تسيير أمور الشركة ويمكنهم المشاركة في الجمعيات العامة للمساهمين لكن دون أن يكون لهم صوت في المداولات.

ولهم الحق في الاطلاع على الوثائق الموضوعة رهن إشارة المساهمين حسب نفس الشروط التي يخضع لها هؤلاء”.

وأهم ما يستأثر بالانتباه في هذه المادة أن المشرع المغربي ماثل بين المساهم و ممثلي الكتلة في ممارسة الحق في الاطلاع على وثائق الشركة من أجل منع الشركة أو توجيهها عند الضرورة إذا كان هناك مس بمصالح هذا الفئة من المساهمين.[20]

وفقا لما ذكر يكون المشرع المغربي قد اعترف للدائن السندي بالحق في مراقبة الشركة و الاطلاع على وثائقها عبر ممثل الكتلة، والذي لا يعدوا إلا أن يكون المتحدث بلغة  الدائنين السندين والمدافع عن مصالحهم كما هو الشأن بالنسبة للممثل القانوني للشركة الذي يتحرك لحساب الشركة وعبرها لصالح كل الشركاء؛[21] الشيء الذي يظهر بوضوح أكثر من خلال اعتراف المشرعالمغربي بحق التدخل للدائنين السندين في حياة الشركة والذي قد يصل إلى حد إمكانية منع الشركة من القيام ببعض العمليات التي من شأنها الإضرار بمصالح هذه الفئة من الدائنين.

ولعل أهم هذه الحالات هي:

-عمليات تخفيض رأسمال من خلال تخويل ممثل حاملي سندات القرض الحق في التعرض على عملية التخفيض أمام رئيس المحكمة بصفته قاضي المستعجلات.[22]

– عمليات الإدماج والانفصال.[23]

– إنشاء أسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت أو بتحويل الأسهم العادية التي سبق إصدارها أو في حالة تحويل أسهم ذات أولوية في الأرباح دون حق التصويت إلى أسهم عادية.[24]

– القيام بتقييد أو تقليص أو تحديد الضمان الناتج عن إصدار سندات قرض مضمون بضمان عيني لفائدة كتلة حاملي سندات القرض.[25]

يتبين من خلال هذه الحالات بجلاء أن المشرع المغربي اعترف للدائنين السنديين بحق التدخل في حياة الشركة من خلال توجيه بعض عمليات تسيير الشركة وقراراتها إذا كان هناك مساس بمصالحهم عبر ممثل الكتلة؛ وهذا يتضمن تحولا في  المفاهيم التقليدية التي تخص علاقة المدين بالدائن، بحيث لا يمكن للدائن أن يتدخل في شؤون مدينه إذا كان موسرا، مما يقلص الفوارق أكثر فأكثر بين الدائن السندي والمساهم.

  • : الوضعية الخاصة للدائن السندي       

الأصل أن ما يميز علاقة المساهم بالشركة هو غياب تاريخ محدد لاسترجاع قيمة السهم، وحضور عامل الارتباط بالوضع المالي للشركة. أما الدائن فيتميز بتحديد تاريخ استحقاق قيمة السند، وغياب عامل الاحتمال حول هذا التاريخ.

لكن هذا  الفارق لم يعد بنفس القوة بعد أن تم السماح للشركات بإصدار سندات “هجينة” تختلط فيها الخصائص المميزة لكل من المساهم والدائن مما أثر على مسألة تحديد صفة المساهم(1) لاسيما بعد تنظيم سندات القرض القابلة للتحويل إلى أسهم والتي اعتبرت قنطرة تصل عالم الدائنين السندين بعالم الشركاء (2).

  1. : المردود المتغير للدائن السندي

أدت الوظيفة الجديدة لسوق سندات القرض إلى خلق مفهوم جديد للمديونية خارج إطار المفاهيم التقليدية،[26] وجاء هذا التحول نتيجة تطعيم هذه السندات ببعض خصائص سندات  رأس المال بهدف جعل سندات القرض أكثر جاذبية[27] والتخفيف من مخاطر التآكل النقدي الذي قد يكون كارثيا على أصحاب هذه السندات.[28]

وهكذا أظهرت كل من سندات القرض المؤشرة التي يحصل حاملها على فائدة متغيرة وفق مؤشر معين يتم اشتراطه في عقد إصدارها، وسندات المشاركة التي تقترب كثيرا من سندات القرض المؤشرة، إلا أنها تتميز باحتوائها على مردودية ذات شقين أحدهما قار والآخر متغير وفق مؤشر معين غالبا ما يكون هو رقم أعمال أو إنتاج المقاولة ويتم وضع حد أدنى أو حد أقصى لشق المتغير مما يجعل حامل هذه السندات في مأمن من التقلبات المفاجئة للفائدة. ثم سندات القرض ذات الفائدة المتغيرة التي  تتميز بقابلية الفائدة للتغيير من مرحلة إلى أخرى بناء على عناصر متعددة، على نحو لا يتمتع معه  السند بمردودية قارة.

 وكل هذا يدفع إلى التساؤل عن الحدود الفاصلة بين الدائن والمساهم، نظرا للتقارب الواضح بين حاملي الأسهم بدون حق التصويت وحاملي سندات القرض الجديدة؟

في الواقع إن هذه السندات تتميز بخاصية أساسية تميزها عن سندات القرض التقليدية وهي المردودية المتغيرة وغير المحددة سلفا [29] مما يلاحظ معه تطور مفهوم المردودية في سندات القرض التي كانت إلى وقت قريب توصف بالقارة.

وتمكن هذه الوضعية الجديدة الدائن السندي من المشاركة إلى جانب المساهم في توزيع الناتج العام المقاولة، مما أظهر تقلص الفوارق بين مفهوم الدائن ومفهوم المساهم وانصهار معيار الأمان وثبات المردود الذي كان إلى وقت قريب من المعايير  الأساسية في تمييز المساهم عن الدائن السندين.

و إذا كان هذا التطور لا يغير من الوضعية القانونية للدائن السندي فإنه من الناحية  الاقتصادية  لم يعد التمييز بين المساهم والدائن مطلقا.[30] 

  • 2)  : الجمع بين صفة الدائن ومساهم احتمالي

توصف سندات القرض القابلة للتحويل إلى أسهم بالسندات الاستثنائية نظرا للبنية الاقتراضية الخاصة التي تتميز بها، حيث يجمع حامل هذه السندات بين صفة الدائنالسندي وصفة المساهم الاحتمالي.

وتستمد هذه الصفة الاحتمالية من كون الدائن السندي له الحق في اختيار تحويل سنداته إلى أسهم في كل وقت أو في أجل تحدده الشركة المصدرة؛  وبالتالي إمكانية انتقاله من صفة دائن سندي، التي تكون ثابتة منذ يوم الاكتتاب في هذه السندات، إلى صفة مساهم سواء برغبة الدائن أو عند حلول الأجل المتفق عند الإصدار.[31]

ويُمَكِنُ التصور الجديد الذي قامت عليه سندات القرض القابلة للتحويل إلى أسهم من توفير حماية أكثر لحاميها، فبالإضافة إلى جميع الحقوق التي تضمنها سندات القرض العادية، يكون بإمكان حامل السندات الأولى الاستفادة من المردودية التي تحققها الأسهم، خصوصا إذا كانت الشركة المصدرة لها مسعرة ببورصة القيم؛ وذلك لأن الأسهم المسعرة تكون قيمتها قابلة للارتفاع والانخفاض مما يجعل أعين حامل هذه الأسهم مشدودة إلى تتبع أحوال الشركة في عملها ونتائجها، فإن اطمئن لهذه النتائج حول سنداته إلى أسهم.[32]

وجاءت السندات الجديدة للتقريب بين شريحتي المساهمين والمقرضين، ولِتُشَكل وجها جديدا من أوجه التقارب بين  الدائن والمساهم  في إطار ما أصبح يعرف بالهندسة المالية التي تقوم على إمكانية ابتكار قيم مركبة، والتي تتقلص معها الفوارق التقليدية بين سندات رأس مال وسندات الدين إلى أقصى الحدود.[33]

وتجدر الإشارة إلى أن الانتقال من صفة دائن إلى صفة مساهم لم تعد قاصرة على السندات القابلة للتحويل إلى أسهم،بل تم تعزيزها ببلادنا مؤخرا عبر ظهور مايعرف بسندات  القرض القابلة للوفاء بأسهم حيث أقدمت شركة(Risma)على إصدار دين سندي من هذا النوع.

وتتمثل الميزة الأساسية للسندات القابلة  للوفاء بأسهم في كون اكتساب صفة مساهم لا تكون محتملة كما هو الحال بالنسبة لسندات القرض القابلة للتحويل إلى أسهم، بل تكون أكيدة وكل ما في الأمر أنه يتم تأجيل اكتساب صفة مساهم إلى حين تاريخ الاستحقاق.[34]

وهذا ما يجعل من حامل سندات القرض القابلة للوفاء بأسهم في وضعية دائن سندي و”مساهم بالمآل”، مما يعني أننا أصبحنا أمام وسائل جديدة لاكتساب صفة مساهم تتجاوز الوسائل التقليدية.

خاتمة:

يمكن القول ختاما أن هذا الموضوع يندرج في إطار الفلسفة العامة لمهندسي المنتوجات المالية والتي تهدف إلى الاستجابة إلى هاجس الفاعلين الاقتصاديين من خلال ابتكار وسائل تساعدهم على التوفيق بين الحرص على جلب الأموال والرغبة في تهميش مقدميها، عبر خلق فئة جديدة من موظفي الأموال لا ترقى إلى درجة المشاركة الكاملة (المساهم الشريك) ولا تنحدر إلى مركز الدائنية التامة (الدائن السندي) ، بهدف الإبقاء على التوازنات داخل الشركة واحتفاظ النواة الصلبة على مكانتها دون الاضطرار لتقديم أموال إضافية.[35]

وساهمت هذه الفلسفة في تحول مفاهيم عديدة في اتجاه واضح نحو التعاطي مع المال أكثر من التعاطي مع الأشخاص (أصحاب المال).


[1]  –  عبد المجيد غميجة، دور العدالة الجنائية في ميدان الأعمال والاقتصاد، المقاولة والسياسية الجنائية، في أشغال المناظرة الوطنية التي نظمتها وزارة العدل بمكناس أيام 9 و 10 و  11 دجنبر 2004 تحت عنوان “السياسة الجنائية بالمغرب: واقع وأفاق”. المجلد الثاني، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 4، 2005، مطبعة فضالة بالمحمدية طبعة الأولى، 2005 ، ص 145.

[2]  – محمد سعيد الراضي، مفهوم القيم المنقولة في التشريع المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية- أكدال- الرباط، السنة الجامعية 2006-2007 ص 44.

[3]  من أجل التوسع في هذه النقطة راجع:

Takoudoum (F k) et Mankssi (ph), L’évolution d’associé, mémoire pour Mastre de recherche, Mention administration des affaires, spécialité Droit Economique des Affaires, Faculté de Droit des sciences politique , économiques de gestion , Université Nice Sophia Antipolies, 2007-2008 P 39.

[4]  –  أنظر في هذا المعنى :

– عزيز اوطوبان، حماية الحقوق الأساسية للمساهمين في شركات المساهمة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2004 – 2005، ص 551.

– محمد السنوني، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية،أكدال- الرباط السنة الجامعية 2003-2004 ، ص 52.

[5] – Ripert (G),  Les aspects juridiques du capitalisme moderne , 1er éd , LGDJ, Paris , 1946 , p. 105.

[6]  – Viandier (A) ,  La notion d’associé, thèse , LGDJ, Paris, 1975, p 116.

[7]  –  سمير أوخليفا ، تداول الحقوق المرتبطة بالقيم المنقولة داخل البورصة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2001 – 2002، ص 202.

[8]  –  سمير أوخليفا، تداول الحقوق المرتبطة بالقيم المنقولة داخل البورصة، المرجع السابق، ص 209.

[9]   – عزيز اوطوبان، حماية الحقوق الأساسية للمساهم في شركات المساهمة، المرجع السابق، ص 155

[10]  – محمد السنوني، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، المرجع السابق ، ص63.

[11]  – محمد السنوني، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، المرجع السابق ، ص64.

[12]  –  محمد السنوني، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، المرجع السابق ، ص 26.

[13]  –  Ripert (F) et Roblot (R), taité de droit commercial,op.Cit, p. 968.

[14]  –  محمد السنوني، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، المرجع السابق ، ص 53.

[15]  – سمير أوخليفا، تداول الحقوق المرتبطة بالقيم المنقولة داخل البورصة ، المرجع السابق، ص 48.

[16] –  سمير أوخليفا، تداول الحقوق المرتبطة بالقيم المنقولة داخل البورصة ، المرجع السابق، ص 48.

[17]   – أحمد شكري السباعي، الوسيط في شركات التجارية ومجموعات ذات النفع الاقتصادي، شركة المساهمة، مطبعة المعارف الجديدة، 2004، ص 402.

[18]   – محمد سعيد الراضي، القيم المنقولة في التشريع المغربي، المرجع السابق، ص 462.

[19]  –   Viandier (A), La notion d’associé, op.Cit,  p 185  et S.

[20]  – محمد سعيد الراضي، مفهوم القيم المنقولة في التشريع المغربي، المرجع السابق، ص 462.

[21]  –  محمد سعيد الراضي، مفهوم القيم المنقولة في التشريع المغربي، المرجع السابق، ص464.

[22]  – تنص  المادة 212 من قانون رقم 95 -17  المتعلق بشركات المساهمة على ما يلي:”حينما توافق الجمعية على مشروع تخفيض رأس المال لا يكون مخلا بوقوع خسائر، فالممثل كتلة حاملي سندات القرض ولكل دائن يعود دينه إلى ما قبل تاريخ إيداع مداولات الجمعية العامة في كتابة الضبط أن يتعرض على التخفيض  داخل ثلاثين يوما ابتداء من التاريخ المذكور أمام رئيس المحكمة بصفته قاضي المستعجلات”.

[23]  – وقد نص على هذه الحالة الفقرة الثانية من المادة 238 من قانون  95 – 17 والتي جاء فيها “غير انه يمكن للجمعية العامة العادية لحاملي سندات القرض أن توكل ممثلي كتلتهم لتقديم التعرض على الإدماج أو الانفصال وذلك وفق الشروط والآثار المنصوص عليها في الفقرة الثانية وما يليها من المادة 239”.

[24]  – وقد نصت على هذه الحالة الفقرة الرابعة من المادة 263 من نفس القانوني والتي جاء فيها:

“في حالة إنشاء أسهم ذات أولوية في الأرباح دون حق التصويت بتحويل الأسهم العادية التي سبق إصدارها أو في حالة تحويل أسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت إلى أسهم عادية تقوم الجمعية العامة غير العادية بتحديد القيمة القصوى للأسهم المزمع تحويلها وبضبط شروط عملية التحويل وذلك بناء على تقرير خاص يعده مراقب الحسابات ولا يكون قرار الجمعية نهائيا إلا بعد موافقة الجمعية العامة لأصحاب الأسهم ذات أولوية في الأرباح دون حق التصويت وموافقة الجمعية غير العادية لحاملي سندات القرض القابلة للتحويل إلى أسهم”.

[25] –  وقد نصت عليها المادة  296 من نفس القانون والتي جاء فيها : ” يجب أن يكون إصدار سندات القرض المضمونة بضمان عيني موضوع  طلب بوجه مسبقا إلى الجهة المختصة بتقييد هذا الضمان حسب الإجراءات القانونية الجاري بها العمل وذلك لفائدة كتلة  حاملي سندات القرض المغطية لمبلغ القرض المزمع إصداره.

 ولا يمكن شطب هذا التقييد أو تقليصه أو تحديده إلا برفع اليد من طرف وكيل كتلة حاملي سندات القرض المرخص له من طرف الجمعيات العامة للكتلة وبأمر من رئيس المحكمة الواقع مقر الشركة في دائرة اختصاصاها بصفته قاضي المستعجلات”.

[26]سمير أوخليفا، تداول الحقوق المرتبطة بالقيم المنقولة داخل البورصة، المرجع السابق، ص 218.

[27]محمد السنوني، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، المرجع السابق ، ص24.

[28]  – أحمد شكري السباعي، الوسيط في شركات التجارية ومجموعات ذات النفع الاقتصادي، شركة المساهمة، المرجع السابق، ص403.

[29]  – محمد السنوني، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، المرجع السابق ، ص 25.

[30]  – محمد السنوسي، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، المرجع السابق ، ص26.

[31]  –  سمير اوخليفا، تداول الحقوق المرتبطة بالقيم المنقولة داخل بورصة القيم، لمرجع السابق، ص 346.

[32]  – رشيد وظيفي، النظام القانوني لسندات القرض القابلة للتحويل إلى أسهم، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، اكدال، الرباط، السنة الجامعية 1999- 2000، ص 7.

[33]  – رشيد وظيفي، النظام القانوني لسندات القرض القابلة للتحويل إلى أسهم،  المرجع السابق، ص 102.

[34]  – محمد سيعد الراضي، مفهوم القيم المنقولة في التشريع المغربي، المرجع السابق، ص 122.

[35]  محمد السنوني، القيم المالية الجديدة المتفرعة عن السهم، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،مرجع سابق، ص 309.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!