Revue ADALA

عدالة

مجلة دورية

العدد الخاص : تأثير وباء كوفيد 19 على المنظومة القانونية

تقديم العدد

الدكتور محمد بوزلافة

عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس

يعد التنظير الفقهي أرقى ما وصل إليه التفكير الإنساني المعاصر، بحكم ما يستلزمه من جهد عقلي منظم، يبحث ويفكر ويتأمل في النظم والتشريعات والممارسات والهيآت والمؤسسات؛ تفكير يصبح أمام تحديات كبرى حينما يطلب منه في زمن الأزمة – أزمة كوفيد 19- التحليل والإنتاج، بل والإبداع في هامش ضيق من الزمن، دون إمهال لاختبار الأفكار، ولا تريث للتأكد الذاتي من مدى وجاهة المخرجات بشكل غير بعيد عن القناعات، حيث يطلب منه استحضار خصوصية الظرفية الدولية والوطنية، وعدم الابتعاد عن التراكمات التي أنتجتها المحطات التي عاشتها الإنسانية.

فإذا كانت أحداث انتشار جائحة كورونا قد تعاقبت على المستوى الدولي بشكل سريع، منذ ظهور أول إصابة بمدينة ووهان الصينية يوم 12 دجنبر 2019، والإعلان عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد بالمغرب يوم 2 مارس 2020،  وعن أول حالة وفاة يوم 10 مارس 2020  واتساع رقعة تفشي المرض في منتصف مارس ، إلى أن صدر بلاغ وزارة الداخلية بشأن إعلان حالة الطوارئ الصحية بالمغرب بتاريخ 19 مارس 2020، من أجل  الحفاظ على صحة وسلامة المواطنات والمواطنين، وذلك نتيجة تسجيل بعض التطورات بشأن إصابة مواطنين غير وافدين من الخارج بفيروس كورونا. بلاغ قضى بتقييد حركة المواطنين ابتداء من الجمعة 20 مارس 2020 على الساعة السادسة مساء، كوسيلة لا محيد عنها لإبقاء انتشار الفيروس تحت السيطرة.

قرار طرح أسئلة عديدة بشأن الشرعية والمشروعية؛ وأيضا بشأن المرجعيات الدولية والوطنية المؤسسة لحالة الطوارئ. فإعلان حالة الطوارئ الصحية بالمغرب أعتبر مفاجئا بالنسبة للعديد، باعتبار أن المغرب والمغاربة لم يعهدوا تطبيق مثل هاته الإجراءات الاستثنائية على المستوى الوطني. الأمر الذي طرح عدة تساؤلات، ونقاشات قانونية، تمحورت بالأساس بشأن المرجعية الدستورية والقانونية المؤسس لها، علما أن دستور 2011 نص على حالة الحصار من خلال الفصل 74، وحالة الاستثناء في الفصل 59، ولم ينص على حالة الطوارئ. وإذا كان الدستور قد شكل مرجعية ودعامة أساسية في ديباجة مرسومي 23 و24 مارس 2020، باعتبار أن الأول خاص بسن أحكام لحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، حيث اعتمد على الفصول 21 و 24/4 و81 من الدستور. والثاني خاص بالإعلان عن حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا حيث اعتمد على الفصول 90 و92 من الدستور. فإنه ومع ذلك لا يعفينا الأمر من التساؤل بشأن الدقة في علاقة بالأسس والمرجعيات.

منطلقات تدعو لا محالة للخوض بعد ذلك في التفكير بشأن التداعيات والسياقات القانونية المترتبة عن حالة الطوارئ الصحية، ونوعية وحجم الحريات التي تم تقيدها، وطبيعة التدخل المؤسساتي للأجهزة الأمنية، ونوعية الدور الموكول للسلطة القضائية سعيا لتحقيق الأمن القانوني والقضائي… بعيدا عن النزعة الذاتية في التحليل، والمواقف الجاهزة في التناول، حتى نتمكن من بلوغ منتهى التفكير الموضوعي، القائم على الفكر القانوني الذي يعتمد على منهج منطقي وعقلاني بجملة من المراحل تتجلى بالأساس في مرحلة التحليل، النقد وتقديم الحلول المناسبة أو البديلة.

نقاش يسائلنا جميعا، قانونيين وحقوقيين، سياسيين وجمعويين… فالظروف الاستثنائية التي تمر منها بلادنا، والمجتمع الدولي، تطلبت اتخاذ تدابير ذات طبيعة استعجالية سواء قانونية أو إجرائية، أثرت بشكل مباشر على مجالي المال والأعمال، ومختلف المعاملات… بشكل تطلب مناقشة سبل تدبير الالتزامات الواقعة على عاتق الشركات والمقاولات بل والمواطنين البسطاء. نقاشات تسائل المؤسسات والهيآت بشأن تدبر الآجال والإجراءات، وبشأن مدى احترام الضمانات في المساطر، ومدى تحصين وتعزيز الحقوق والحريات في زمن الطوارئ الصحية، بشكل يرفع التخوفات بشأن أدوار المؤسسات الأمنية والسلطة القضائية…

بناء عليه، إذا كانت الأزمة مصدر قلق للجميع على حد سواء، فإن من مداخل السيطرة على تداعياتها في شقها القانوني والمؤسساتي، يمر لا محالة عبر الإبداع الفكري للزميلات والزملاء الأساتذة الأفاضل، ومختلف الباحثين في مختلف التخصصات. وهو ما تجدوه في العدد المقدم بين أيديكم، الذي يناقش في زمن كورونا مواضيع ذات أهمية كبرى، بالتأمل الفكري في المتغيرات والآثار المفاجئة للجائحة على البيئة القانونية من ناحية؛ وعلى الجوانب الواقعية العملية المؤثرة على الأشخاص العامة والخاصة، المعنوية والذاتية من ناحية أخرى. نقاش وطرح يقترح حلولا مسؤولة تنبني على رؤية متطورة يمكنها مواجهة الأزمة بفاعلية، بعيدا عن التفكير الذي يكرس الخلاف والصدام أو الانقسام. فغاية المساهمات الفكرية الواردة أدناه تحصين المكاسب، وتطوير الترسانة القانونية من خلال السعي لتخليصها من التناقضات، وبذل الجهد من أجل توجيه المؤسسات بغية تكريس وتوفير العدل والاستقرار وشيوع الأمن والأمان بما يحفظ المصلحة العامة للمجتمع وطمأنينته بكل مكوناته.

إنه الدور الإيجابي الحمائي المتطلب من الفكر الإنساني، الذي يفترض فيه أن يسعى للتوجيه، في سياق من التكامل والانسجام بين مكونات المجتمع والسلطة.

فاس : 14/06/2020

One thought on “العدد الخاص : تأثير وباء كوفيد 19 على المنظومة القانونية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!