Revue ADALA

عدالة

مجلة دورية

حماية المستهلك الإلكتروني من الشروط التعسفية

الشرقاوي القرقار: دكتور في الحقوق .

مقدمة:

لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة ثورة علمية وتكنولوجية هائلة، لا تقل آثارها عن النتائج التي خلفتها الثورة الصناعية حين ظهورها، حيث اتسع حجم التقدم التكنولوجي ليشمل كافة المستويات، ويضم العديد من المجالات الشيء الذي كان له الانعكاس على مراحل الإنتاج، وتداول السلع والخدمات بين الأفراد في ربوع الأرض. مما أصبغ على هذا التطور صبغة العالمية، وأدى إلى تنامي درجة التبادل بين الدول في بيئة يسودها منطق المنافسة والسعي من اجل تامين احتياجات الافراد.

وفي ظل هذه التطورات والمستجدات الحاصلة، لم تسلم العلاقات التعاقدية هي الأخرى من موجة التغيير، ومن تأثيرات الثورة التكنولوجية حيث عرفت اختلالات بفعل ما أصبح يتمتع به أحد طرفي العقد من تفوق اقتصادي وخبرة ومعرفة تقنية في مواجهة الطرف الآخر، الذي غالبا يكون مستهلكا، ويفتقر إلى تلك المقومات التي ينعم بها الطرف الأول، ويبرز هذا الاختلاف والتفاوت أكثر وبشكل جلي في نطاق المعاملات التعاقدية الإلكترونية، ذلك أن التجارة الإلكترونية وإن كانت وسيلة مهمة لتسهيل تداول السلع ،فإنها أتاحت في المقابل لرجال الأعمال والشركات التجارية العديد من المزايا والقوة في هذا الصدد.

وقد ادى هذا التفاوت في المساواة بين طرفي العقد إلى انفراد المورد المهني بصياغة شروط العقد حسب ما أراده، ووضع هذه الشروط في صيغة عقد نموذجي يطرحه على موقعه الإلكتروني بشبكة الانترنيت، ويقتصر دور المستهلك الذي يرغب في إبرام العقد على مجرد القبول بالضغط على الخانة المخصصة لذلك، وملء الفراغات المتعلقة بالبيانات التي تخصه، أو عن طريق إرسال رسالة إلكترونية على بريد المهني تتضمن الموافقة دون إمكانية المساومة، أو أية فرصة لمناقشة الشروط المتضمنة في العقد النموذجي.

ونظرا لعدم قدرة المستهلك الإلكتروني على التفاوض على الشروط المتضمنة في العقد، وغل يده وحريته في المناقشة في مقابل ترجمة العلاقة التعاقدية لإرادة الطرف القوي وهو المورد. كان تدخل المشرع أمرا محتوما ولا محيد عنه لإرجاع العلاقة التعاقدية إلى حدود المعقول والمساواة بين طرفيها. وكبح كل الممارسات التعاقدية التعسفية. حيث عمل المشرع المغربي على وضع قانون خاص يحمي المستهلك بصفة عامة، من خلال إصدار القانون رقم 08-31، وبالتالي عدم الاكتفاء بفصول قانون الالتزامات والعقود ذات الصلة بالمستهلك.

واستنادا لما سبق فموضوع بحثنا هذا يطرح إشكالات رئيسيا يتمثل في: مدى نجاعة وفعالية نصوص القانون رقم 31.08 في حماية المستهلك الإلكتروني من الشروط التعسفية؟ وما هي الآليات القانونية المرصودة لهذه الحماية؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة الإشكالية عملنا على تقسيم موضوع بحثنا إلى مبحثين نتعرض في الأول لنطاق حماية المستهلك الإلكتروني من الشروط التعسفية، ثم نتحدث في المبحث الثاني عن الآليات القانونية المرصودة لتلك الحماية.

المبحث الأول: نطاق حماية المستهلك الإلكتروني من الشروط التعسفية

لقد صاحب التطورات التكنولوجية الحديثة، وتكريس مبدأ حرية التجارة بروز نوع جديد من العقود الاستهلاكية في مجال التجارة هي عقود الاستهلاك الإلكترونية، التي توصف بأنها أهم الأساليب الرئيسية في تطوير عمليات تداول السلع والخدمات بين الناس، على اعتبار أن هذه العقود الإلكترونية سهلة التعامل بين أشخاص متواجدين في اماكن متباعدة، أي يتعاقدون كما لو أنهم حاضرين لكن لا يجمعهم مجلس عقد واحد.

وغالبا ما تأتي عقود الاستهلاك الإلكترونية في شكل عقود إذعان أو عقود نموذجية، يكون فيها المورد المحترف هو الآمر الناهي لما له من قوة اقتصادية وخبرة فنية وتقنية تجعله متفوقا على المستهلك الإلكتروني، الذي يمثل الطرف الأضعف في علاقة تعاقدية غير متكافئة ومختلة الموازين، الشيء الذي دفع المشرع إلى سن قواعد قانونية لحماية المستهلك الإلكتروني، وهو ما يظهر من خلال القانون رقم 08-31 ولاسيما الباب الثاني من القسم الرابع منه المعنون بالعقود المبرمة عن بعد.

ولأجل ذلك سنعمل على تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين نركز في الأول الحديث عن مفهوم المستهلك الإلكتروني وتحديد مضمونه، ثم نتعرض في المطلب الثاني لعناصر وصور الشروط التعسفية التي تتضمن في العقد الإلكتروني.

المطلب الأول: مفهوم المستهلك الإلكتروني ومبررات الحماية

مع التطور الاقتصادي الذي باتت تعرفه مؤسسات الإنتاج في السنوات الأخيرة، بفعل تنامي استخدام الوسائل المعلوماتية في التجارة أصبح من الضروري تفعيل حقوق شريحة مهمة من المستهلكين هم المستهلكين الإلكترونيين لتطوير وتقوية البنية الاجتماعية لأفراد المجتمع عن طريق حمايتهم من الشروط التعسفية لاسيما وأنهم الطرف الضعيف في العقود في مواجهة المهنيين الطرف المحترف العارف بكل خبايا التجارة وأعرافها.

لذلك سوف نتطرق لتحديد مفهوم المستهلك الإلكتروني المعني بالحماية في (الفقرة الأولى)، ثم في (الفقرة الثانية) نتحدث عن مبررات حماية المستهلك الإلكتروني.

الفقرة الأولى: مفهوم المستهلك الإلكتروني

تنشأ المعاملات التجارية الإلكترونية بين طرفين هما المستهلك الإلكتروني والمهني لذلك سنتطرق لتعريف المهني (ثانيا) والمستهلك الإلكتروني (أولا).

أولا: تعريف المستهلك الإلكتروني

تعددت الخلافات في أوساط الفقه حول تعريف المستهلك الإلكتروني وكذا تباينت في التشريعات التي تعرف تقنينا لهذا النوع من المستهلكين، أما بالنسبة للفقه فقد عرف البعض منه المستهلك دون ان يميز بين التقليدي والإلكتروني بأنه “هو من يقتني موادا استهلاكية بمختلف أنواعها بهدف الاستفادة من خدماتها في مختلف مجالات حياته اليومية”([1])، كما عرفه البعض كذلك بأنه “كل شخص طبيعي أو معنوي يبرم تصرفا قانونيا من أجل استخدام المنتج أو الخدمة في أغراضه الشخصية”([2]).

كما أن هناك تعريف ضيق للمستهلك الإلكتروني يقول بأنه “المستهلك هو كل شخص طبيعي يتصرف لإشباع حاجاته الخاصة وحاجات من يعولهم من الأشخاص، وليس لإعادة بيعها أو تحويلها أو استخدامها في نطاق مهنته أو مشروعه، فالمستهلك هو الذي يسعى لتحقيق احتياجاته الشخصية، أو احتياجات أفراد أسرته”([3]) باستعمال الوسائل الإلكترونية.

أما فيما يخص تعريف المستهلك في التشريعات الحديثة التي تتضمن قواعد خاصة لحمايته، فقد قام المشرع الفرنسي بتعريف المستهلك في المادة الثانية من القانون رقم 22.78 المتعلق بحماية المستهلك في مجال عمليات الائتمان على أنه “يطبق القانون الحالي على كل العمليات التي تمنح عادة للأشخاص الطبيعيين والمعنويين والتي لا تكون مخصصة لتموين نشاط مهني”([4]). وما يلاحظ على هذا التعريف أن المشرع الفرنسي لم يلمس المستهلك إلا بصفة عرضية، حيث اعتمد على معيار الغاية، وهو الاستعمال الشخصي للمنتوج دون أن يكون لذلك ارتباط بالنشاط المهني للمستهلك.

أما القانون الجزائري فقد عرف المستهلك في المرسوم التنفيذي رقم 39.90 المتعلق برقابة الجودة وقمع الغش في المادة الثانية الفقرة 9 بأنه “كل شخص يقتني بثمن أو مجانا منتوجا أو خدمة للاستهلاك الوسيط او النهائي لسد حاجياته أو حاجة شخص آخر او حيوان يتكفل به”([5]).

أما القانون المصري فقد عمد غلى تعريف المستهلك في القانون رقم 67 لسنة 2006 في مادته الأولى بأنه “كل شخص تقدم إليه أحد المنتجات لإشباع احتياجاته الشخصية أو العائلية أو ينوي التعامل أو التعاقد في هذا الخصوص”.

أما مشرعنا المغربي فقد عرف المستهلك في القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك ([6]) في مادته الثانية بأنه “يقصد بالمستهلك كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني أو يستعمل لتلبية حاجياته غير المهنية منتوجات أو سلعا أو خدمات معدة للاستعمال الشخصي أو العائلي”.

وما يمكن ملاحظته على هذه التعاريف كلها سواء التي جاء بها الفقه أو التي تضمنتها قوانين المستهلك في التشريعات المختلفة هو أنها عرفت المستهلك عموما، ولم يرد لها تعريف للمستهلك الإلكتروني، وكذلك أنها إن اختلفت من حيث المبنى فإن معناها يبقى واحد ([7]).

وأمام هذا الغياب في تعريف المستهلك الإلكتروني يمكن تعريفه بأنه “ذلك الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يتلقى السلع أو الخدمات لغير الأعراض التجارية، ويتسلمها ماديا وحكميا سواء بمقابل، أو بدون مقابل عبر شبكات الاتصال الإلكترونية”([8]).

كما يمكن تعريف المستهلك الإلكتروني بأنه كل من يقوم باستعمال السلع أو الخدمات لإشباع حاجاته أو حاجات من يعولهم، ولا يهدف إلى إعادة بيعها أو تحويلها أو استخدامها في نشاطه المهني وأن يتعاقد بشأن تلك السلع أو الخدمات عبر الوسائل الإلكترونية من خلال شبكة الاتصالات العالمية، وبالتالي فالمستهلك الإلكتروني هو نفسه المستهلك التقليدي العادي، يتمتع بنفس الحماية القانونية التي يقرها المشرع لهذا الأخير، وكل ما هناك هو خصوصية التعاقد الذي يكون إلكترونيا، وقد أسماه المشرع المغربي بالعقود المبرمة عن بعد. كما أكد في المادة 27 من 31.08 على أن عقد البيع عن بعد بوسيلة إلكترونية يكون صحيحا إذا أبرم طبقا للشروط المتضمنة في القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية والتشريعات المعمول بها في هذا المجال.

ثانيا: تعريف المهني

بعدما تطرقنا لتعريف المستهلك الإلكتروني سنقوم بتحويل الأنظار صوب المهني على اعتباره الطرف الثاني في العملية التعاقدية في عقود الاستهلاك، وتجدر الإشارة هنا أن الفقه ومعه التشريع في كافة القوانين التي تعرف تنظيما للعقود الاستهلاكية قد اختلفوا بخصوص الصفة القانونية للطرف المتعاقد مع المستهلك فمنهم من يطلق عليه وصف التاجر أو مقدم الخدمة، ومنهم من أضفى عليه صفة المهني، والبعض الآخر أعطاه وصف المحترف. كما أسماه البعض الآخر بالمورد.

ويعد مهنيا كل شخص طبيعي أو معنوي يظهر في التعاقد الإلكتروني كمحترف تجاري يمتلك موقعا إلكترونيا يدعو من خلاله لإبرام العقود مع المستهلك، وقد سمى البعض من الباحثين المهني بأنه هو الذي يطلق عليه لقب التاجر والشخص المعنوي كالشركات التجارية ([9]).

وقد أطلق الفقه العديد من المصطلحات على الطرف الثاني والمتعاقد مع المستهلك الإلكتروني، فهناك من أضفى عليه صفة التاجر الإلكتروني وعرفه على هذا الأساس بأنه “كل من يحترف مزاولة الأعمال التجارية باسمه ولحسابه ويتعامل مع المستهلك من خلال الوسائل الإلكترونية ([10]).

أما البعض الآخر فقد أطلق عليه اسم المزود، وعرفه بأنه “كل شخص طبيعي أو معنوي والذي يظهر في العقد الإلكتروني كمحترف، فهو الشخص الذي يمارس باسمه أو لحساب الغير نشاطا تجاريا أو صناعيا أو زراعيا فيمتلك موقعا إلكترونيا أو محلا تجاريا بقصد ممارسة نشاطه، أو يشتري البضائع بقصد إعادة بيعها، أو يقوم بتأجير السلع وتقديم الخدمات”([11]).

أما آخرون فقد أضفوا على المتعاقد مع المستهلك صفة المهني الذي يتصرف على وجه الاعتياد والحرفة في نطاق أنشطته المهنية بغرض تحقيق الربح، سواء أكان شخصا طبيعيا ام اعتباريا، وفي هذا النطاق الأخير سواء أكان عاما أو خاصا ([12]).

أما على مستوى التشريع المغربي فقد عمد المشرع في القانون رقم 31.08 على إطلاق إسم ووصف المورد على المتعاقد التي يتعاقد مع المستهلك إذ أعلن واضع القانون في المادة الثانية بأن هذا القانون يحدد العلاقات بين المستهلك والمورد، ومعناه أن للعقد طرفين هما المستهلك الطرف الأول، والمورد الطرف الثاني، وعرفه في الفقرة الثالثة بأنه “كل شخص طبيعي أو معنوي يتصرف في إطار نشاط مهني أو تجاري” ويتضح من هذا التعريف بأنه جاء شامل ينصرف إلى المحترف المهني الذي يتعاقد مع المستهلك العادي، لكن سرعان ما تدارك الأمروجاءنا في المادة 25 من القانون 31.08 بتعريف المهني أو المورد في إطار التعاقدات الإلكترونية بأنه “تاجر سيبراني كل شخص طبيعي أو معنوي يتصرف في إطار نشاط مهني او تجاري باستعمال شبكة الأنترنيت”.

يتضح لنا من خلال التعاريف المقدمة أنها، وإن اختلفت من حيث المبنى فمعناها واحد، حيث ترتكز في ذلك على وجود معايير لوصف الطرف الثاني في العلاقة التعاقدية، وهذه المعايير هي الربح والاحتراف والكفاءة والتفوق التقني والقانوني.

وعليه يمكن أن نخلص إلى تعريف المورد كالتالي “أنه شخص كان طبيعيا أو اعتباريا يتعاقد أو يبرم تصرفات قانونية عبر الوسائل الإلكترونية مما في ذلك من بيع سلع أو تقديم خدمات في نطاق أنشطته المهنية لغرض تحقيق الربح”([13]).

الفقرة الثانية: مبررات حماية المستهلك الإلكتروني

 لم ينعم المستهلك الإلكتروني بالحماية القانونية والتنظيم القانوني الكافيين، إلا بعد اتساع وانتشار مستخدمي شبكة المعلوميات عبر العالم، وكثرة العقود عبر هذه الوسيلة، الأمر الذي تحتم معه على المشرع الحفاظ على حقوق المستهلك الإلكتروني، وحمايته من الغش والاحتيال باستخدام أدوات شبكة الأنترنيت التي تجاوزت الأدوات التقليدية في التعاقد.

وتتحدد مبررات الحماية في التطور الكبير والكم الهائل لشبكة الأنترنيت (أولا) وحاجة المستهلك إلى الخدمات الإلكترونية مع افتقاره إلى المعرفة التقنية بعالم المعلوميات (ثانيا).

أولا: التطور الحديث في شبكة المعلوميات

لقد تطورت المعلوميات بشكل كبير وغير مسبوق، وأصبحت من أهم وأحدث الخدمات التقنية([14])، ومظهر من مظاهر التطور التقني عبر العالم، كان لها السبب في تقريب الأشخاص وباتت الكرة الأرضية كقرية صغيرة رغم شساعة المساحة، إذ يمكن للمستهلك بتفاعل مع جهاز الحاسوب أن يصل الى كل ما يريد من السلع والخدمات بطريقة سهلة وغير مكلفة للوقت، ويمثل التطور التقني في هذا الجانب واقعا علميا يأتي بتطورات مستمرة، مما ينبغي معه أن يقود إلى تحسين الروابط التجارية بين المورد والمستهلك([15])، بهدف الحصول على أفضل أداء للممارسات التجارية الإلكترونية([16])، إلا أن لهذه الطفرة التقنية في مجال المعلوميات جانب مظلم يمكن له أن يؤثر على الوصف القانوني لعقد التجارة الإلكتروني. ويخل بتوازنه 

ثانيا: حاجة المستهلك إلى الخدمات الإلكترونية وافتقاره للمعرفة المعلوماتية

بسبب تكاثر المواقع الإلكترونية التجارية، وزيادة المنافسة بين هذه المواقع على تقديم الأفضل للمستهلك، بالإضافة إلى الخدمات الممتازة لعمليات ما بعد البيع، أصبحت حاجة المستهلك الضرورية إلى الخدمات الإلكترونية أمر فرضته وفرة المنتجات وخدمات ذات جودة تبدو له عالية، وبأسعار معقولة، ومن هنا كانت الحاجة للبحث عن الحماية للمستهلك بشكل ملح وواضح ([17]).

أما مبررات افتقار المستهلك للمعرفة المعلوماتية والتقنية الذي يفرض حمايته فنابع من كون شبكة الأنترنيت المنتشرة حول ربوع الأرض هي نافذة مفتوحة على مصراعيها أمام الجميع دون أدنى تعقيد، فالبريد الإلكتروني ومواقع الأنترنيت هدفها واحد هو عرض وتقديم أنواع مختلفة ومتباينة من المنتجات والخدمات للمستهلك للتعاقد معه من خلالها، وقدرة المستهلك على التعامل مع جهاز الحاسوب والشبكة العنكبوتية، وإن كانت تسهل عليه الوصول إلى المنتجات والخدمات المتنوعة التي يريدها، إلا أنها لن تصل إلى ما للمورد المهني من معرفة كبيرة واحترافية في عالم المعلوميات والتجارة عبرها، مما قد يؤدي بالمستهلك بالوقوع بحبل وخداع قراصنة الانترنيت من خلال المواقع الوهمية([18]).

المطلب الثاني: الشروط التعسفية للعقد عناصرها وصورها

لقد تولد عن الارتفاع في معدلات الطلب على المنتجات الاستهلاكية وباقي الخدمات الأخرى من قبل المستهلكين، تطور في عمليات الإنتاج والتصنيع لمختلف هذه المنتجات من قبل الموردين والمهنيين اللذين لجأوا في إطار علاقتهم بالمستهلكين بالانفراد بصياغة العقود في شكل عقود إذعان، أو عقود نموذجية، نظرا لما يتوفر عليه المهني من قوة اقتصادية وخبرة فنية تجعله متوفقا على المستهلك الإلكتروني، وبالتالي فرض ما يريد من الشروط التعسفية، وهو ما ينتج عنه حالة اللاتوازن في عقد الاستهلاك الإلكتروني.

وعليه، فإن الحديث عن الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك الإلكتروني يقتضي التطرق إلى عناصر هذه الشروط (الفقرة الأولى)، ثم صورها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: عناصر الشروط التعسفية

إن المبدأ الذي تنبني عليه نظرية العقد هو مبدأ الرضائية الذي يعطي لأطراف العقد الحرية في عقد أي تصرف أرادوا وبالشروط التي ارادوا، إلا أنه في ظل ما بات يعرفه العالم من تطورات  تكنولوجية التي طالت مجالات العقود، لاسيما العقود الإلكترونية، حيث أصبح المورد ينفرد بصياغة شروط العقد، وفرضها على المستهلك الإلكتروني، والتي في جل الأحيان تكون شروطا فيها الكثير من التعسف([19])، وقد تطورت هذه الشروط وتنوعت عناصرها إلى درجة اختلاف المهتمين والباحثين في وضع معيار موحد تضبط به هذه الشروط التعسفية، فهناك من تبنى العنصر الشخصي والعنصر الموضوعي (أولا) وذهب آخرون إلى الأخذ بمعيار الإخلال بالتوازن العقدي (ثانيا).

أولا: تحديد الشروط التعسفية بين العنصر الشخصي والعنصر الموضوعي

تباينت آراء الفقه ومواقفهم حول مسألة تقدير الطابع التعسفي للشرط التعاقدي، وذهب بعضهم إلى تبني المعيار الشخصي، في حين مال البعض الآخر للأخذ بالمعيار أو العنصر الموضوعي.

أما العنصر الشخصي فمضمونه يتمثل في إساءة استخدام المورد لنفوذه الاقتصادي الذي يتمتع به، وبهذا فالشرط التعسفي حسب هذا المعيار يكون فيه اللاتوازن الحاصل في العلاقة العقدية ناتج عن ما للمهني المورد من مزايا كبيرة، تفوق الحد المعقول التي يحصل عليها، وما ينشأ عن تعسفه في استغلال نفوذه الاقتصادي، وبذلك يسيء استعمال المركز الاقتصادي القوي الذي يتمتع به ليفرض على المستهلك شروطا تخل بتوازن العقد، وبتعبير آخر لو لم يتعسف المورد في استغلال نفوذه الاقتصادي لما وجد الشرط التعسفي الذي يخل بتوازن العدالة العقدية([20]).

ومنه فالوضع الاقتصادي القوي للمهني المورد، هو الذي يجعله يملك نفوذا وتفوقا في التقنية، في مقابل المستهلك الذي لا يكون أمامه إلا القبول للتعاقد أو الرفض، دون إمكانية مناقشة الشروط الأمر الذي يكون معه عدم التعادل تحت ضغط الحاجة للسلعة، أو الخدمة، لأن المستهلك حينما يقبل بالشروط التعسفية بدون مناقشة ولا مفاوضة، إنما يكون تحت وطئة العوز الاقتصادي والحاجة الضرورية ([21]).

أما العنصر الموضوعي فيكمن فيما يحصل عليه المورد بشكل مفرط، ذلك أنه لا يكفي أن يكون الاختلال الحاصل في توازن العلاقة العقدية ناشئا من تعسف المورد في استغلال نفوذه الاقتصادي، بل يجب أن يكون هذا الاختلال ناشئا عن المزايا المبالغ فيها والمفرطة ([22]). وتزيد عن الحد المعقول التي يحصل عليها المورد، أو كما أطلق عليه الفقيه (GIAME) المقابل المغالى فيه بواسطة شرط أو عدة شروط تكون مخالفة للقانون المدني أو التجاري ([23]).

وبالتالي فالمورد المهني يحقق لقاء تعسفه في استغلال نفوذه الاقتصادي والفني مزايا ومنافع مفرطة تخدم مصالحه وأغراضه الشخصية، أي أن كلا العنصرين الشخصي والموضوعي متلازمان ومرتبطان ببعضهما، بمعنى أن وقوع أحدهما يكون نتيجة لاستخدام الآخر والمزايا المبالغ فيها التي يتحصل عليها المورد المحترف ما هي إلا نتيجة التعسف في استعمال نفوذه الاقتصادي ([24]).

ثانيا: معيار الإخلال بالتوازن العقدي

إلى جانب العنصر الشخصي والموضوعي كمعيار لضبط الشروط التعسفية هناك من الفقه من اعتمد معيار آخر هو معيار الإخلال بالتوازن العقدي إذ بالاستناد إليه ينظر إلى الشرط التعسفي بأنه ذلك الشرط الذي يكون موضوعه أو من نتائجه خلق على حساب المستهلك عدم توازن بين حقوق والتزامات أطراف العقد.

إن هذا الجانب من الفقه الذي يؤسس موقفه في تعريف الشروط التعسفية على معيار الإخلال بالتوازن العقدي يستند على الإخلال الظاهر بالتوازن بين حقوق والتزامات المتعاقدين.

وفي ختام الحديث عن معايير ضبط الشروط التعسفية يمكننا تأسيسا على ما سبق أن نقول أن الشرط التعسفي في إطار التعاقد الإلكتروني هو كل شرط أو بند حرر مسبقا، وبشكل منفرد من قبل المورد المحترف دون أن تكون لإرادة المستهلك أي اعتبار في مناقشة هذا الشرط أو الشروط، التي بصمها العقد الإلكتروني، مستغلا في ذلك نفوذه الاقتصادي والقانوني والفني، بهدف الحصول على منافع خاصة على حساب المستهلك، مما يترتب عنه أثر الإخلال بتوازن عدالة التعاقد الإلكتروني ([25]).

الفقرة الثانية: صور الشروط التعسفية

لقد انتهج المشرع المغربي في قانون 31.08 لتحديد صور الشروط التعسفية أسلوب سرد أشكال متنوعة من الشروط، حيث عمل على توسيع نطاق الحماية من هذه الشروط التعسفية، واستيعاب كافة مراحل العقد.

وتضم المادة 18 من القانون رقم 31.08 مختلف صور الشروط التعسفية، والتي يكون الغرض منها، أو يترتب عليها بعد توفرها على شروط المادة 15([26]) مايلي:

1-إلغاء أو انتقاص حق المستهلك في الاستفادة من التعويض في حالة إخلال المورد بأحد التزاماته؛

2-احتفاظ المورد بالحق في أن يغير من جانب واحد خصائص المنتوج أو السلطة المزمع تسليمها أو الخدمة المزمع تقديمها.

غير أنه يمكن التنصيص على أنه يجوز للمورد إدخال تغييرات مرتبطة بالتطور التقني شريطة ألا تترتب عليها زيادة في الأسعار أو مساس بالجودة وأن يحفظ هذا الشرط للمستهلك إمكانية بيان الخصائص التي يتوقف عليها التزامه.

3-إعفاء المورد من المسؤولية القانونية أو الحد منها في حالة وفاة المستهلك أو إصابته بأضرار جسمانية نتيجة تصرف أو إغفال من المورد.

4-إلغاء حقوق المستهلك القانونية أو الحد منها بشكل غير ملائم إزاء المورد أو طرف آخر في حالة عدم التنفيذ الكلي أو الجزئي أو التنفيذ المعيب من لدن المورد لأي من الالتزامات التعاقدية، بما في ذلك إمكانية مقاصة دين للمورد على المستهلك بدين قد يستحقه هذا الأخير على المورد.

5-التنصيص على الالتزام النهائي للمستهلك في حين أن تنفيذ التزام المورد خاضع لشرط يكون تحقيقه رهينا بإرادته وحده.

6-فرض تعويض مبالغ فيه أو الجمع بين عدة تعويضات أو جزاءات عند عدم وفاء المستهلك بالتزاماته.

7-تخويل المورد الحق في أن يقرر فسخ العقد إذا لم تمنح نفس الإمكانية للمستهلك، والسماح للمورد بالاحتفاظ بالمبالغ المدفوعة برسم خدمات لم ينجزها بعد عندما يقوم المورد نفسه بفسخ العقد.

8-الإذن للمورد في إنهاءالعقد غير محدد المدة دون إعلام سابق داخل أجل معقول ماعدا في حالة وجود سبب خطير.

9-تمديد العقد محدد المدة بصفة تلقائية في حالة عدم اعتراض المستهلك، عندما يحدد أجل يبعد كثيرا عن انتهاء مدة العقد باعتباره آخر أجل ليعبر المستهلك عن رغبته في عدم التمديد.

10-التأكيد على قبول المستهلك بصورة لا رجعة فيها لشروط لم تتح له بالفعل فرصة الاطلاع عليها قبل إبرام العقد.

11-الإذن للمورد في أن يغير من جانب واحد بنود العقد دون سبب مقبول ومنصوص عليه في العقد ودون إخبار المستهلك بذلك.

12-التنصيص على أن سعر أو تعريفة المنتوجات والسلع والخدمات يحدد في وقت التسليم أو عند بداية تنفيذ الخدمة، أو تخويل المورد حق الزيادة في أسعارها أو تعريفتها دون أن يكون للمستهلك في كلتي الحالتين، حق مماثل يمكنه من فسخ العقد عندما يكون السعر أو التعريفة النهائية مرتفعة جدا مقارنة مع السعر أو التعريفة المتفق عليها وقت إبرام العقد.

13-تخويل المورد وحده الحق في تحديد ما إذا كان المنتوج أو السلعة المسلمة أو الخدمة المقدمة مطابقة لما هو منصوص عليه في العقد أو في تأويل أي شرط من شروط العقد.

14-تقييدالتزام المورد بالوفاء بالالتزامات التي تعهد بها وكلاؤه أو تقييد التزاماته باحترام إجراء خاص.

15-إلزام المستهلك بالوفاء بالتزاماته ولو لم يف المورد بالتزاماته.

16-التنصيص على إمكانية تفويت العقد لمورد آخر إذا كان من شأنه أن يؤدي إلى تقليص الضمانات بالنسبة إلى المستهلك دون موافقة منه.

17-إلغاء أو عرقلة حق المستهلك في إقامة دعاوى قضائية أو اللجوء إلى طرق الطعن، وذلك بالحد بوجه غير قانوني من وسائل الإثبات المتوفرة لديه أو إلزامه بعبء الإثبات الذي يقع عادة على طرف آخر في العقد، طبقا للقانون المعمول به.

في حال وقوع نزاع حول عقد يتضمن شرطا تعسفيا يجب على المورد الإدلاء بما يثبت ويفيد الطابع غير التعسفي للشرط موضوع النزاع.

المبحث الثاني: آليات حماية المستهلك الإلكتروني من الشروط التعسفية

تنص القواعد العامة بأن الحرية التعاقدية كنتيجة لمبدأ سلطان الإرادة هي التي تحكم عملية التعاقد، حيث يجوز لأطراف العقد وضع ما شاؤوا من الشروط والبنود، وأن يتفقوا عليها طالما أنها غير مخالفة للنظام العام والآداب العامة. إلا أنه تم تجاوز هذه القواعد والمبادئ التي يرسو عليها القانون المدني، وذلك بفعل التغييرات والتطورات الحاصلة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي بات يشهدها العالم، وكذا بفعل تركيز آلية الإنتاج في يد عدد محدود من المنتجين الشيء الذي تمخض عنه ولادة أنواع جديدة من العقود الإذعانية، أو كما يسميها البعض النموذجية، والتي ظلت هي الغالبة وذات الانتشار بين الأفراد لتسهيل تداول السلع والبضائع، حيث أصبح المهني حينها يستغل وضعيته المتميزة لمناقشة هذه الشروط بعيدا عن أي نوع من الرقابة، والدافع الأساسي وراء قيام التشريعات، ومنها تشريعنا الوطني إلى وضع ضمن قانون حماية المستهلك ميكانيزمات وآليات هدفها الأول حماية المستهلك الضعيف والمذعن في العقد، والسعي نحو إعادة التوازن الذي اختل وذلك قبل التعاقد (المطلب الأول) أو في مرحلة تنفيذ العقد الإلكتروني (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الآليات الحمائية قبل التعاقد الإلكتروني

إن المستهلك الإلكتروني عكس المورد المهني لا يتوفر على القدرة والإمكانية الفعلية والحقيقية لمعاينة السلع، والتحقق من الأداء المناسب للخدمات قبل إبرام العقد عبر وسائل الاتصال الحديثة، مما يحتم على المشرع وضع آليات قانونية يكون من شأنها توفير الحد الأدنى من الحماية للمستهلكين في هذه الفترة التي تسبق التعاقد الإلكتروني، وهذه الآليات كما سطرها المشرع في القانون 31.08 هي الحق في الإعلام (الفقرة الأولى) والحق في الرجوع اوالعدول عن التعاقد (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحق في الإعلام الإلكتروني

إن الالتزام قبل التعاقد بإعلام المستهلك هو ضرورة عملية يقتضيها كما يفرضها التعاقد الإلكتروني الذي يكون فيه اللاتكافؤ بين المستهلك والمورد واضحا. ومنها تظهر مبررات تقرير هذا الإعلام كآلية قانونية لإرجاع التوازن المختل بين طرفي العقد، والمساواة بينهما من خلال تنوير المستهلك الإلكتروني قبل الإقدام على التعاقد.

وعليه سوف نتعرض لدراسة مفهوم الالتزام بالإعلام قبل التعاقد الإلكتروني (أولا) ثم نتطرق إلى مضمون الالتزام بالإعلام (ثانيا).

أولا: مفهوم الالتزام بالإعلام الإلكتروني

يجد الالتزام بالإعلام سنده وأساسه في عدم التكافؤ بين طرفي العقد، من حيث العلم بعناصره وظروفه، مما يفرض على عاتق المتعاقد المهني بصفة خاصة الالتزام بالتصريح، والإدلاء للمستهلك بالعقد المراد إبرامه، حتى يتصرف المستهلك بوعي ويكون على دراية كاملة، ولكي يتصف التفاوض بالوضوح والشفافية وحسن النية([27]).

وبالتالي يمكن أن نخلص إلى تعريف الالتزام بالإعلام الإلكتروني بأنه “التزام إيجابي سابق على إبرام العقد الإلكتروني يفرض على المورد (المهني المحترف) بأن يحيط المستهلك عبر شبكة الأنترنيت بالمعلومات والبيانات المتعلقة بمحل العقد والمنتج والمورد، وأي شيء واعتبار آخر من شأنه أن يؤثر على المستهلك، ويدفعه إلى الرضا بالتعاقد”([28]) لأن عدم التساوي في المعرفة بالمعلومات بين المتعاقدين بشأن محل العقد والشروط المتعلقة به يحتل نفس المرتبة التي يحتلها عدم توازن العقد بسبب اختلاف المراكز القانونية، لأن الطرف الضعيف يتعرض لاستغلال الطرف الأقوى صاحب الخبرة، هو المورد المحترف([29]).

كما عرفه البعض الآخر بأنه “التزام قانوني عام سابق على التعاقد، يلتزم فيه المدين بإعلام الدائن في ظروف معينة، إعلاما صحيحا، بكافة المعلومات الجوهرية المتصلة بالعقد المراد إبرامه، والتي يعجز عن الإحاطة بها بوسائله الخاصة ليبني عليها رضاه في العقد”([30]).

في حين عرف آخرون الالتزام بالإعلام بأنه “التزام قانوني سابق على إبرام العقد الإلكتروني، يلتزم بموجبه أحد الطرفين الذي يملك معلومات جوهرية فيما يخص العقد المزمع إبرامه بتقديمها بوسائط إلكترونية في الوقت المناسب، وبكل شفافية وأمانة للطرف الآخر الذي لا يمكنه العلم بها بوسائله الخاصة”([31]).أما المشرع المغربي فقد تطرق في هذا الصدد إلى الالتزام بالإعلام واعتبره في المادة الأولى من القانون 31.08 بأنه من بين الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها قانون حماية المستهلك وذلك بقوله “يهدف هذا القانون إلى تحقيق مايلي:

– إعلام المستهلك إعلاما ملائما وواضحا بالمنتوجات أو السلع أما الخدمات التي يقتضيها أو يستعملها…”.

ويستنتج من المادة أعلاه وكذا باقي المواد المنظمة للالتزام بالإعلام أن المشرع المغربي أكد على ضرورة التزام المورد البائع قبل التعاقد بإعلام المستهلك إعلاما ملائما وواضح، أي أن يكون سهل التعرف على ما يود اقتناءه دون أي تماطل أو كتمان لمعلومات تهم السلع وكافة الخدمات الأخرى.

ثانيا: مضمون الالتزام بالإعلام

يعد الالتزام بالإعلام من أبرز وأهم الآليات القانونية التي وضعها المشرع للمستهلك بصفة عامة، وفي مجال التعاقد الإلكتروني بصفة خاصة لأن هذا النوع من التعاقد الذي يتم عبر شبكة الانترنيت والوسائط الأخرى دون الالتقاء المادي بين أطرافه ينطوي على الكثير من المخاطر إذ يكون فيها التأثير بارزا على رضا المستهلك دون علم حقيقي بالمنتوج المراد شراؤه، ولذلك حرص المشرع على ضرورة إعلام المستهلك الإلكتروني.

ويتلخص مضمون الالتزام بالإعلام في ضرورة تزويد المورد للمستهلك بمعلومات وافية وصحيحة لا يشوبها أي لبس، أو غموض، تتضمن الجوانب والبيانات المتعلقة بالسلعة والخدمات موضوع العقد الاستهلاكي، بالإضافة إلى تعيين شخصية البائع بشكل قاطع لتنوير المستهلك عن بعد بالمعطيات الجوهرية ([32]).

ونفس الشيء أكده مشرع قانون 31.08 في نص المادة الثالثة المنضوية تحت الباب الأول المعنون بالالتزام بالإعلام بقوله “يجب على كل مورد أن يمكن المستهلك بأي وسيلة ملائمة من معرفة المميزات الأساسية للمنتوج أو السلعة أو الخدمة، وكذا مصدر المنتوج أو السلعة وتاريخ الصلاحية إذا اقتضى الحال. وأن يقدم إليه المعلومات التي من شأنها مساعدته على القيام باختيار معقول باعتبار حاجياته وإمكانياته …”.

أما فيما يخص الإعلام الخاص بالعقود المبرمة عن بعد فقد أكد المشرع على مضمونه في المادة 29 من 31.08 بقوله “دون الإخلال بالمعلومات المنصوص عليها في المادتين 3 و5 أو في أي نص تشريعي أو تنظيمي آخر جاري به العمل يجب أن يتضمن العرض المتعلق بعقد البيع عن بعد المعلومات التالية:

– التعريف بالمميزات الأساسية للمنتوج أو السلعة أو الخدمة محل العرض؛

– إسم المورد وتسميته التجارية والمعطيات الهاتفية التي تمكن من التواصل الفعلي معه وبريده الإلكتروني وعنوانه وإذا تعلق الأمر بشخص معنوي فمقره الاجتماعي، وإذا تعلق الأمر بغير المورد فعنوان المؤسسة المسؤولة عن العرض بالنسبة للتاجر السيبراني: إذا كان خاضعا لشكليات القيد في السجل التجاري فرقم تسجيله ورأسمال الشركة …

– أجل التسليم ومصاريفه إن اقتضى الحال.

– كيفيات الأداء أو التسليم أو التنفيذ.

– مدة صلاحية العرض وثمنه أو تعريفته.

– تكلفة استعمال تقنية الاتصال عن بعد.

– المدة الدنيا للعقد المقترح، إن اقتضى الحال عندما يتعلق الأمر بتزويد مستمر أو دوري لمنتوج أو سلعة أو خدمة.

تبلغ المعلومات المذكورة التي يجب أن يتجلى طابعها التجاري دون التباس إلى المستهلك بصورة واضحة ومفهومة عن طريق كل وسيلة ملائمة للتقنية المستخدمة للاتصال عن بعد، دون الإخلال بمقتضيات القانون 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، يجب على المورد أن يذكر المستهلك قبل إبرام العقد بمختلف اختياراته، وأن يمكنه من تأكيد طلبيته أو تعديلها حسب إرادته”.

كما ألزمت المادة 30 من 31.08 المورد أن يمكن المستهلك من الولوج بسهولة والاطلاع على الشروط التعاقدية المطبقة على توريد المنتوجات والسلع أو على تقديم خدمات عن بعد، وذلك على صفحة الاستقبال في الموقع الإلكتروني لمورد السلعة أو مقدم الخدمة أو على أية دعامة اتصال تتضمن عرضا للمورد، كما يجب أن تكون هذه الشروط موضوع قبول صريح من طرف المستهلك، وذلك قبل تأكيد قبول العرض.

الفقرة الثانية: الحق في العدول والرجوع عن التعاقد

بالإضافة إلى حق المستهلك في إعلامه لتبصيره عند إقدامه على إبرام العقد الإلكتروني، فهناك حق آخر لا يقل أهمية هو الحق في العدول، والذي يعد أحد الضمانات، وأكثر الآليات الحمائية للمستهلك ملائمة لخصوصيات العقد الإلكتروني ([33]) لكون المستهلك لا يتوفر على الإمكانيات الفعلية لمعاينة السلع أو التحقق من الأداء المناسب للخدمات، ويتضمن هذا الحق إعطاء فرصة للتروي والتفكير.

وللخوض في حق عدول المستهلك لابد من الحديث عن المقصود بهذا الحق ومبررات تبنيه (أولا) ثم مضمونه (ثانيا).

أولا: حق العدول ومبرراته

يعتبر حق العدول في العقد الإلكتروني فعل إراديا محضا، يترك تقديره لإرادة المستهلك، ووفقا للضوابط القانونية، فهو حق يمس بالقوة الملزمة للعقد الإلكتروني، ويضرب عرض الحائط تلك النتائج المترتبة عن مبدأ سلطان الإرادة.

إن حق العدول حق شخصي يمارسه المستهلك وفقا لما يراه محققا لمصالحه، حيث لا يكون المعني بالأمر ملزما بطرح مبررات أو تعليلات لعدوله، ولا إبداء أسباب معينة لهذا العدول، فاستعمال هذا الحق لا يؤدي إلى قيام مسؤولية المستهلك الإلكتروني ([34]).

إذن فحق العدول في العقد الإلكتروني من الآليات القانونية التي لجأت إليها التشريعات الحديثة لحماية رضا المستهلك، وينم هذا الحق عن إعطاء فرصة للمستهلك للتفكير والتمهل، فهو حق يتسم بالصفةالاختيارية، وهو من الحقوق المستحدثة، وقد عرفه البعض بأنه “وسيلة بمقتضاها يسمح المشرع للمستهلك بأن يعيد المنظر من جديد ومن جانب واحد في الالتزام الذي ارتبط به مسبقا، بحيث يستفيد من مهلة التفكير في خلالها سيكون بوسعه الرجوع عن التزامه الذي سبق وأن ارتبط به ([35])، كما عرف البعض الآخر الحق في العدول بأنه “إثبات حق المشتري في إمضاء العقد أو فسخه عقد رؤية المبيع محل التعاقد، إذا لم يكن رآه عند العقد أو قبله، والمستهلك الإلكتروني الذي يشتري السلعة عن طريق الأنترنيت لم يكن قد رأى البضاعة، وإنما رأى صورتها أو علم بأوصافها المكتوبة على شاشة الجهاز أمامه، فإذا استلم السلعة يكون له حق الخيار في إمضاء العقد أو فسخه ([36]).

وتكمن مبررات تبني التشريعات الحديثة لحق عدول المستهلك الإلكتروني وتراجعه في أن التجارة الإلكترونية، تتم عن بعد بوسائل اتصال لا تسمح للمستهلك الإلكتروني بالحكم الدقيق على المنتوج مهما بلع وصف البائع له من دقة وأمانة. وبالتالي فحق العدول المكفول للمستهلك الإلكتروني هو بمثابة مهلة إضافية للشروع والتدبير في أمر العقد تفاديا للأخطار التي قد تلحق به.

ثانيا: مضمون الحق في العدول وآثاره

إن مضمون حق المستهلك في الرجوع عن العقد هو إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد، فقد يكون السبب هو عدم مطابقة المنتوج للصفات التي قدمها المورد، أو بسبب التفاوت بين الصور التي بثها المورد عبر الشاشة أو وضعها في موقعه الإلكتروني، وحقيقتها في الواقع، وحتى لهوى المستهلك ([37]).

وقد نص المشرع على حق الرجوع في ديباجة القانون رقم 31.08([38]) وكذا في المادة 36 منه التي جاء فيها “للمستهلك أجل:

– سبعة أيام كاملة لممارسة حق في التراجع.

– ثلاثين يوما لممارسة حقه في التراجع في حالة ما لم يف المورد بالتزامه بالتأكيد الكتابي للمعلومات المنصوص عليها في المادتين 29 و32.

وذلك دون الحاجة إلى تبرير أو دفع غرامة باستثناء مصاريف الإرجاع إذا اقتضى الحال ذلك.

تسري الآجال المشار إليها في الفقرة السابقة ابتداء من تاريخ تسلم السلعة أو قبول العرض فيما يتعلق بتقديم الخدمات”.

ويمتد مجال تطبيق الحق في الرجوع إلى العقود المبرمة عن بعد، أي تلك المبرمة إلكترونيا، والتي تناولها قانون 31.08 في الباب الثاني من القسم الرابع، حيث يتم الإعلام بالعدول بواسطة جميع الوسائل المنصوص عليها في العقد، ويتعين حينها على البائع الذي هو المورد إرجاع المبلغ المدفوع إلى المستهلك كاملا على الفور، وعلى أبعد تقدير داخل الخمسة عشر يوما الموالية للتاريخ الذي تمت فيه ممارسة الحق المذكور، وبعد انصرام الأجل تترتب بقوة القانون على المبلغ المستحق فوائد بالسعر القانوني المعمول به ([39]).

ويستتبع مما تقدم أن قيام المستهلك الإلكتروني بحقه في الرجوع يترتب عنه آثار قانونية مهمة، منها تلك المتعلقة بالمهني المورد وأخرى متعلقة بالمستهلك الإلكتروني نفسه. فأما بالنسبة للمورد فهذه الآثار كما نص عليها مشرع قانون 31.08 هي ردما دفعه للمستهلك دون انتظار مع تقرير فوائد حالة تجاوزه المهلة القانونية والتي حددها القانون في 30 يوما.

أما بالنسبة للمستهلك فآثار الحق في الرجوع يترتب عنها فسخ العقد المبرم بينه وبين المورد، والتزامه برد السلعة إلى هذا الأخير، كما يجب عليه ممارسة هذا العدول في مدة سبعة أيام كاملة، حيث لا يتحمل فيها أية جزاءات أو مصاريف باستثناء تلك المتعلقة بإعادة السلعة ([40]).

المطلب الثاني: الآليات الحمائية في مرحلة تنفيذ العقد الإلكتروني

بعدما يستجمع العقد كافة شروطه الضرورية والمتطلبة قانونا بتطابق الإيجاب والقبول ينتفل حينها طرفيه المورد والمستهلك الإلكتروني إلى مرحلة أخرى هي مرحلة تنفيذ العقد، حيث فيها يلزم كل واحد منهما بالوفاء بالالتزامات الناتجة عنه والعمل على العمل على تنفيذها، خصوصا تلك الملقاة على عاتق المورد اتجاه المستهلك، ذلك أن مشرع قانون 31.08 وضع ضمانات أساسية من أجل انتفاع المستهلك بالمنتج أو الخدمة إلى جانب تلك الحقوق الأخرى التي تعرضنا لها في المطلب السابق. وهذه الضمانات أو الآليات الحمائية تتمثل في الالتزام بنقل الملكية وبتسليم المبيع (الفقرة الأولى) وضمان العيوب الخفية في الشيء (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الالتزام بنقل الملكية وبتسليم المبيع

بعد انتهاء مرحلة إبرام العقد الإلكتروني ينتقل طرفي العقد إلى المرحلة الحاسمة هي مرحلة التنفيذ، التي فيها تمتد حماية المستهلك لتشمل حقه في أن ينقل له المورد البائع ملكية المبيع وتسليمه إياه، وأن يكون ذلك المبيع مطابقا تطابقا تاما لما اتفقا عليه ([41]).

هذا، ويلتزم في هذه المرحلة المورد بنقل ملكية المبيع إلى المستهلك، مع الاشتراط على انتقال الملكية ان يكون المبيع معينا بالذات، وأن يكون مملوكا للبائع، وألا يعلق القانون أو الاتفاق بانتقال الملكية على القيام بعمل معين أو شيء آخر، وهو ما أكدته المادة 57 بأنه “… تعليق بيع منتوج أو سلعة على شراء كمية مفروضة أو على شراء منتوج أو سلعة أخرى أو تقديم أخرى في آنا واحد.

– تعليق تقديم خدمة على تقديم خدمة أخرى أو على شراء منتوج أو سلعة …”.

إن مسألة التزام نقل الملكية وتسليم المبيع المطابق من قبل البائع تناولتها وتعرضت لها القواعد العامة كجزء من الالتزامات المفروضة في العملية التعاقدية، فقد تحدث قانون الالتزامات والعقود عن تسليم المبيع في المادة 498 منه حيث نص على أنه “يتحمل البائع بالالتزامين أساسيين:

1-الالتزام بتسليم الشيء المبيع.

2-الالتزام بضمانه”.

كما تم التعرض لنقل الملكية في المادة 491 من ق.ل.ع بأنه “يكتسب المشتري بقوة القانون ملكية الشيء المبيع بمجرد تمام العقد بتراضي طرفيه”.

ويتضح من النصوص أعلاه أن التزام البائع بتسليم المبيع يعد أهم الالتزامات لدرجة أنه يعتبر محور العقد الذي تدور حوله كافة الالتزامات الأخرى، والمقصود بالتسليم وضع المبيع تحت تصرف المشتري ليتمكن من حيازته والانتفاع به دون عائق. ولو لم يستولي عليه استيلاء ماديا مادام قد أعلمه بذلك، وقد يكون التسليم فعليا من خلال التسليم المادي للمبيع، وقد يكون حكميا، وهو اتفاق على تغيير صفة الحائز للمبيع دون تغيير في الحيازة الفعلية للشيء محل التسليم.

هذا بالنسبة للعقد الاستهلاكي العادي أو التقليدي، أما فيما يخص عقد الاستهلاك الالكتروني فإلى جانب التسليم الفعلي والحكمي يوجد التسليم المعنوي في التعاقد الالكتروني، أي تسليم المنتجات عبر شبكة الانترنيت عن طريق تنزيلها على جهاز الحاسوب الخاص بالمشتري ([42]).

الفقرة الثانية: ضمان العيوب الخفية

إن الالتزام الملقى على عاتق البائع بضمان العيوب الخفية هي من أهم الالتزامات، لأن المستهلك الذي يبرم العقد الالكتروني مع المورد لاقتناء المنتج يفترض مبدئيا انه خال من العيوب، ولا تشوبه شائبة وصالح للغرض الذي من أجله وقع البيع، على نحو يمكنه من الانتفاع به لتحقيق الغاية المرجوة، ذلك أنه لو كان المستهلك يعلم ان المبيع به عيوب تنقص من الانتفاع به لما أقدم على اقتناءه، وبالتالي فضمان العيوب الخفية هو آلية ضمنها المشرع للمستهلك لإلزام البائع بتسليم الشيء المبيع مطابق للمواصفات التي تم الاتفاق عليها والتي تستلزمها الأعراف وطبيعة التعامل([43]).

وهذا ما يفرض علينا التعرض لتعريف العيب الخفي (أولا) ثم لمضمونه وشروطه (ثانيا).

أولا: تعريف العيب الخفي

لقد ذهب الفقه الفرنسي إلى إعطاء العيب الخفي تعريفين الأول مادي والثاني وظيفي، أما المادي فيقصد بالعيب الخفي “أي خلل مادي في المبيع مقارنة بحالته الطبيعية التي يتعين أن يكون عليها”. أما التعريف الوظيفي فيقصد به “الحالة التي يوجد عليها الشيء المبيع، والذي يجعله غير ملائم لاستعماله فيما اعد له”([44]).

كما عرفه البعض الآخر بأنه “العيب الذي يلحق بالمبيع حيث يصيب المنتج أو الخدمة سواء في الأوصاف، أو في الضمانات، بحيث يجعلهم غير صالحين للهدف المعدين من أجله، أو يردي وجودها إلى إتلاف في المبيع ([45]).

أما المشرع المغربي فقد نص على الالتزام بضمان العيوب الخفية بموجب أحكام المادة 532 من ق.ل.ع، والتي تنص على مايلي “الضمان الواجب على البائع للمشتري يشمل أمرين:

– …

– وثانيهما عيوب الشيء المبيع (ضمان العيوب)”.

ثانيا: مضمون الالتزام بضمان العيوب الخفية وشروطه

إذا كان المشرع المغربي قد أفرد للمستهلكين سواء التقليديين أو الإلكترونيين قانون خاص بهم، يحميهم وهو قانون 31.08، الذي ضمن فيه العديد من الحقوق والآليات الحمائية كما تعرضنا لها سلفا، إلا أنه فيما يخص حق المستهلك بضمان العيوب الخفية الت تلحق بالمبيع فقد أحال قانون المستهلك في مادته 65 على تنظيم ذلك إلى قانون الالتزامات والعقود، ولاسيما المواد من 549 إلى غاية 575 منه.

وبالرجوع إلى مواد ق.ل.ع أعلاه، وإعادة استقراءها يتضح لنا أن المشرع قد ألقى على عاتق البائع مسؤولية ضمان عيوب الشيء، والتي تنقص من قيمته نقصا محسوسا، أو التي تجعله غير صالح لاستعماله فيما أعد له بحسب طبيعة أو بمقتضى العقد، أما العيوب التي تنقص نقصا يسيرا من القيمة، أو الانتقاع والعيوب التي جري العرف على التسامح فيها فلا تخول الضمان، كما أن البائع ملزم بضمان الصفات التي صرح بها، أو التي اشترطها المشتري (المستهلك)، وأن البائع لا يضمن إلا العيوب الخفية التي كانت موجودة عند البيع، إذا كان المبيع شيئا معينا بذاته، أو عند التسليم إذا كان المبيع شيئا مثليا ببيع بالوزن أو القياس أو على أساس الوصف.

وبالتالي فالالتزام بضمان العيوب الخفية في المبيع لا يترتب في جميع الأحوال إلا إذا توافرت شروطه التي تحافظ على استقرار المعاملات من جهة، ومن جهة ثانية تكفل الحماية للمستهلك، وعليه يمكننا ان نجمل هذه الشروط في التالي:

* أن يكون العيب مؤثرا:

يكون العيب الخفي مؤثرا إذا كان على درجة من الجسامة التي تنقص من قيمة المبيع، ومدى الانتفاع منه بحسب ما نصت عليه المادة 549 من ق.ل.ع.

* أن يكون العيب خفيا:

ومفاده ان يكون العيب غير ظاهر عند التعاقد، فإذا كان كذلك فلا التزام على البائع بضمان المبيع، أو عندما يعلم به المشتري وهو ما أكدته المادة 569 من ق.ل.ع بقولها “لا يضمن البائع العيوب الظاهرة ولا العيوب التي كان المشتري يعرفها، أو كان يستطيع بسهولة أن يعرفها”.

* ألا يكون العيب معروفا لدى المشتري (المستهلك):

يلزم أن يكون المشتري المستهلك غير عالم عند إبرام العقد الإلكتروني بالعيب، لأن العلم بالعيب يسقط حق المشتري في الضمان، فالبائع لا يضمن العيوب التي كان المشتري يعرفها وقت البيع، إذ بعد ذلك دلالة على تنازل المشتري عن حقه في الضمان. وهذا الشرط نستشفه من خلال مضمون المادة 569 السالفة الذكر، وكذا من خلال فحوى المادة 571 التي تنص على أنه “لا يضمن البائع عيوب الشيء أو خلوه من الصفات المتطلبة فيه:

أولا: إذا صرح بها.

ثانيا: إذا اشترط عدم مسؤولية عن أي ضمان”.

وفي الأخير يمكن القول أن المستهلك رغم أنه يتمتع بحقه في ضمان العيوب الخفية حال توفر شروط ذلك، إلا أنه لا يستفيد من تلك الضمانة القانونية عند تنازله عنها صراحة بعد علمه بالعيب أو عندما يبيع الشيء بعد علمه بالعيب وتصرف فيه باعتباره مالكا له أو عند استعماله للشيء المبيع بشكل شخصي بعد علمه بالعيب الذي يشوبه.

خاتمة:

نخلص في ختام هذه الدراسة إلى أن المشرع المغربي، ونظرا لمظاهر التعسف التي أصبح يتعرض لها المستهلك الإلكتروني، كما هو الشأن للمستهلك التقليدي، سعى إلى التصدي لهذه الممارسات التعاقدية التعسفية من خلال تضمين العديد من الضمانات والآليات الحمائية في القانون 31.08، وكذا تلك المقررة بموجب نصوص قانون الالتزامات والعقود، إلا أن هذه الآليات الحمائية لم تف بالغرض المطلوب ولا الحماية اللازمة والمرجوة للمستهلك بالرغم من تخصيص باب خاص بالتعاقد عن بعد كونها تخاطب المستهلك كمتعاقد عادي، وأن هذه الحماية لا تعد أن تكون سوى تلك الحماية المقررة للمستهلك التقليدي.

وأمام هذا الفراغ النسبي في التشريع، ومع التسليم بالانتشار الكبير والواسع الذي شهدته ظاهرة الشروط التعسفية في المعاملات التعاقدية والإلكترونية خاصة، ندعو فيما سيأتي من تعديل تشريعي أن يتم تتميم أو إصدار قانون هدفه حماية المستهلك الالكتروني والاستعاضة عن تلك المواد القليلة المرصودة في إطار القانون رقم 31.08.


[1] أسامة أحمد بدر، حماية المستهلك في التعاقد الإلكتروني، دار الجامعة الجديدة للنشر، السنة 2005، ص. 17.

[2] خالد ممدوح إبراهيم، حماية المستهلك في العقد الإلكتروني، دار الفكر الجامعي، الطبعة الأولى سنة 2008، ص. 24.

[3] نبيل محمد أحمد صبيح، “حماية المستهلك الإلكتروني، دراسة مقارنة”، مجلة الحقوق، العدد 2، الكويت، 2007، ص. 174.

[4] أنظر العنوان الإلكتروني: www.legifrance.gouv.fr

[5]إمادالو سهام، حماية المستهلك الإلكتروني، مذكرة شهادة الماستر في الحقوق، جامعة عبد الرحمان ميرة بجاية الجزائر، السنة الجامعية: 2012/ 2013، ص. 10.

[6] الظهير الشريف رقم 1.11.03 صادر في 14 من ربيع الأول 1432 (18 فبراير 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5932 بتاريخ 3 جمادى الأولى 1432 (7 أبريل 2011)، ص. 1072.

[7] إن المشرع المغربي وإن لم يتعرض لتعريف المستهلك الإلكتروني إلا أنه أفرد نصوص خاصة مهمة لتنظيمه في الباب الثاني من القسم الرابع من القانون رقم 31.08.

[8] خالد ممدوح إبراهيم، م. س، ص. 21.

[9]HoutaitMazen, protection du consommateur dans les contrats conclus sur internet, étude comparative droit français – droit libanais, thèse de doctorat en droit privé, 2008, p. 270.

[10] كوثر سعيد عدنان خالد، حماية المستهلك الإلكتروني، د. ط، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية، 2012، ص. 82.

[11] عبد الله ذيب عبد الله محمود، حماية المستهلك في القانون الخاص، كلية الدراسات العليا جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين، 2009، منشورة د. ط، دار الثقافة عمان، الأردن، 2012، ص. 20.

[12] أسامة أحمد بدر، حماية المستهلك في التعاقد الإلكتروني، دراسة مقارنة، د. ط، دار الجامعة الجديدة للنشر الإسكندرية، 2005، ص. 79.

[13] نود شد الانتباه كون أن المشرع قد اخرج حسب المادة 28 من دائرة المهنيين الموزعين الآليين أو محلات تجارية مجهزة بالآلات، المتعهدين في مجال الاتصالات لأجل استخدام مخادع هاتفية عمومية، وكذا لأجل بناء وبيع العقارات أو المتعلقة بحقوق أخرى خاصة بالعقارات ماعدا الإيجار وأثناء بيع بالمزاد العلني.

[14] أوشن حنان، حماية المستهلك الإلكتروني، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الإداري، كلية الحقوق عنابة، الجزائر، ـ 2012، ص. 4.

[15] في إطار العلاقة بين المورد والمستهلك راجع المادة الثانية من القانون 31.08.

[16] أسامة أحمد بدر، م. س، ص. 25.

[17] عبد الله ذيب عبد الله محمود، م. س، ص. 2009، ص. 31.

[18] أوشن حنان، م. س، ص. 05.

[19] لقد اهتم المشرع المغربي عند وضعه قانون حماية المستهلك رقم 31.08 بتخصيصه لموضوع الشروط التعسفية القسم الثالث منه كما اعتبر في الفقرة الأولى من المادة 15 أنه “يعتبر شرطا تعسفيا في العقود المبرمة بين المورد والمستهلك كل شرط يكون للغرض منه، أو يترتب عليه اختلال كبير بين حقوق وواجبات طرفي العقد على حساب المستهلك”.

[20] موفق حماد عبد، الحماية المدنية للمستهلك في عقود التجارة الإلكترونية، دراسة مقارنة، د. ط، منشورات زين الحقوقية، بغداد، 2011، ص. 251.

[21] نصيرة عنان خلوي، الحماية القانونية للمستهلك عبر الانترنيت دراسة مقارنة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون مدرسة الدكتوراه القانون الأساسي والعلوم السياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة مولود معمري تيزي وزو، بتاريخ 25/09/2013، ص. 213.

[22] صونية شرقي، حماية المستهلك الإلكتروني من الشروط التعسفية، م. س، ص. 13.

[23] محمد بودالي، الشروط التعسفية في العقود في القانون الجزائري، دراسة مقارنة مع قوانين فرنسا وألمانيا ومصر، د. ط، دار هومة بوزريعة الجزائر، السنة 2007، ص. 93.

[24] إبراهيم عبد العزيز داود، حماية المستهلك في مواجهة الشروط التعسفية، دراسة تحليلية مقارنة في ضوء نظريتي عقود الإذعان وعقود الاستهلاك، د. ط، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية، ص. 16.

[25] صونية شرقي، م. س، ص. 10.

[26] تنص المادة 15 من 31.08 على أنه: “يعتبر شرطا تعسفيا في العقود المبرمة بين المورد والمستهلك كل شرط يكون الغرض منه أو يترتب عليه اختلال كبير بين حقوق وواجبات طرفي العقد على حساب المستهلك”.

[27] عقيل فاضل حمد الدهان، “الالتزام بالإعلام في العقد الإلكتروني”، أهل البيت، العدد 5، ص. 207-208.

[28] صونية شرقي، م. س، ص. 60.

[29] عبد المنعم موسى إبراهيم، حماية المستهلك دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، سوريا، 2007، ص. 366.

[30] حسن عبد الباسط الجميعي، حماية المستهلك –الحماية الخاصة لرضا المستهلك في عقود الاستهلاك، دار النهضة العربية، مصر، 1992، ص. 35.

[31]إما دالو سهام، حماية المستهلك الإلكتروني، مذكرة لنيل شهادة الماستر في الحقوق، جامعة عبد الرحمان ميرة –بجاية الجزائر، السنة 2012- 2013، ص. 28.

[32] فاتن حسين حوى، الوجيز في قانون حماية المستهلك دراسة في أحكام القانون اللبناني مع الإشارة إلى حماية المستهلك المتعاقد عن بعد إلكترونيا، منشورات الحلبي الحقوقية 2012، بيروت لبنان، ص. 134-136.

[33] نبيل محمد أحمد صبيح، “حماية المستهلك في التعاملات الإلكترونية دراسة مقارنة”، مجلة الحقوق، عدد 2، السنة 2007، ص. 163.

[34]إما دالو سهام، م. س، ص. 33.

[35] عبد الله ذيب عبد الله محمود، م. س، ص. 125-126.

[36] محمد سعيد أحمد إسماعيل، أساليب الحماية القانونية لمعاملات التجارة الإلكترونية دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، سوريا، 2009، ص. 393.

[37] خديجة جبار، حماية المستهلك في ظل العقود الإلكترونية، مذكرة لنيل شهادة الماستر تخصص إدارة الأعمال، السنة 2014/ 2015، الجزائر، ص. 61.

[38] تنص الديباجة :”يعتبر هذا القانون إطارا مكملا للمنظومة القانونية في مجال حماية المستهلك ومن خلاله يتم تعزيز حقوقه الأساسية ولاسيما منها:

– الحق في الإعلام.

– الحق في التراجع…

[39] راجع بهذا الشأن نص المادة 37 من القانون 31.08.

[40] موفق حماد عبد، الحماية المدنية للمستهلك في عقود التجارة الإلكترونية، دراسة مقارنة، د. ط، منشورات زين الحقوقية بغداد، 2011، ص. 2014-2015.

[41] إبراهيم ممدوح خالد، م. س، ص. 215.

[42] إبراهيم ممدوح خالد، م. س، ص. 222.

وكذلك:-عبد الله ذيب عبد الله محمود، م. س، ص. 123.

[43] إما دالو سهام، م. س، ص. 45.

[44] سعيد السيد فنديل، المسؤولية العقدية في مجال المعلوميات الإشكالية الخاصة بضمان العيب الخفي وضمان عدم المطابقة، د. ط، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2014، ص. 48.

[45] عبد الله ذيب عبد الله محمود، م. س، ص. 109.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!